الأربعاء، 24 يونيو 2026

النقد الأدبي المعاصر بقلم الراقي د.احمد سلامة

  النَّقْدُ الأدبي الْمُعَاصِرُ فِي مَصْفُوفَةِ الْأَدَبِ الرِّيَاضِيِّ

بَقَلَمِ: أ. د. أَحْمَد عَبْدِ الْخَالِقِ سَلَامَة

مُؤَسِّسُ الْمَشْرُوعِ الْعَرَبِيِّ لِأَدَبِ الرِّيَاضِيَّاتِ

 

يَعِيشُ الْمَشْهَدُ النَّقْدِيُّ الْمُعَاصِرُ أَزْمَةً بِنْيَوِيَّةً حَادَّةً، لَا تَكْمُنُ فِي قِلَّةِ الْمِدَادِ وَلَا فِي نُدْرَةِ النُّصُوصِ، بَلْ فِي الِاخْتِلَالِ الْجَبْرِيِّ الَّذِي أَصَابَ مَعَايِيرَ الْقِيَاسِ. لَقَدْ تَحَوَّلَ النَّقْدُ فِي زَمَنِنَا مِنْ دَالَّةٍ حَيَّةٍ تَسْتَخْرِجُ مُحَدِّدَاتِ الْجَمَالِ وَتُفَكِّكُ شِفْرَاتِ النُّصُوصِ، إِلَى مَصْفُوفَةٍ خَاوِيَةٍ تَعْتَمِدُ عَلَى تَكْرَارِ الْأَلْقَابِ الزَّائِفَةِ وَالدِّعَايَةِ الْمَجَّانِيَّةِ، مُتَنَاسِيَةً أَنَّ الْعَمَلَ الْإِبْدَاعِيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْمِعْيَارُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى بُرْهَانٍ خَارِجِيٍّ لِيُثْبِتَ نَفْسَهُ.

· ثُنَائِيَّةُ الْقِيمَةِ وَالْوَهْمُ النَّقْدِيُّ

إِنَّ الْعِلَّةَ الْكُبْرَى لِلنَّقْدِ الْحَدِيثِ تَرْتَكِزُ عَلَى غَرَقِهِ فِي جُمُودِ الْمَنْطِقِ الْأَرِسْطِيِّ ثُنَائِيِّ الْقِيمَةِ (إِمَّا صِفْرٌ مُطْلَقٌ أَوْ وَاحِدٌ صَحِيحٌ)، حَيْثُ يُصَنَّفُ الْإِبْدَاعُ بَيْنَ مَدْحٍ مُفْرِطٍ يُلْغِي الْمَعْنَى، أَوْ هَجْمٍ كَاسِرٍ يَهْدِمُ الْأَثَرَ. وَفِي الرِّيَاضِيَّاتِ الْأَدَبِيَّةِ، نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ النُّصُوصَ الْإِنْسَانِيَّةَ النَّابِضَةَ لَا يُمْكِنُ اخْتِزَالُهَا فِي هَذِهِ الثُّنَائِيَّةِ الْحَدِّيَّةِ.

الْإِبْدَاعُ الْحَقِيقِيُّ يَتَحَرَّكُ فِي فَضَاءِ الْمَنْطِقِ الرَّمَادِيِّ وَالِاحْتِمَالَاتِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ؛ حَيْثُ لَا الصِّفْرُ يَهْزِمُ النَّصَّ، وَلَا الْوَاحِدُ كَافٍ لِتَفْسِيرِهِ. النَّقْدُ الْمُعَاصِرُ بَاتَ يَخَافُ الْفَرَاغَ وَيَهْرَبُ مِنَ الْبَيَاضِ الاحْتِمَالِيِّ، فَيُسْرِفُ فِي اسْتِهْلَاكِ الْحِبْرِ لِيَمْلَأَ الدَّفَاتِرَ بِكَلَامٍ يَطْمِسُ الْإِيحَاءَ، بَيْنَمَا الْحِكْمَةُ النَّقْدِيَّةُ تَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نَقْرَأَ الْبَيَاضَ وَنَعْتَبِرَ الصَّمْتَ وَالْفَرَاغَ أَحْيَانًا فَقَرَاتٍ جَبْرِيَّةً تَمْلَأُهَا بَصِيرَةُ الْقَارِئِ وَعَمَقُ رُؤْيَتِهِ.

· الشَّبَكَاتُ الْإِنْسَانِيَّةُ وَانْحِرَافُ الْأَضْلَاعِ

إِذَا أَرَدْنَا رَسْمَ مُخَطَّطِ الْعَلَاقَاتِ لِلْمَشْهَدِ الثَّقافِيِّ الْيَوْمَ بِمَنْهَجِ نَظَرِيَّةِ الشَّبَكَاتِ، سَنَجِدُ مَأْسَاةً؛ حَيْثُ تَضَخَّمَتْ الرُّؤُوسُ (الَّتِي تُمَثِّلُ الْأَشْخَاصَ وَالْأَلْقَابَ)، بَيْنَمَا انْكَسَرَتْ أَوْ انْحَرَفَتْ الْأَضْلَاعُ (الَّتِي تُمَثِّلُ الْأَمَانِيَ وَالْقِيَمَ الْإِبْدَاعِيَّةَ الصَّادِقَةَ).

لَقَدْ أَصْبَحَ النَّقْدُ يُقَاسُ بِمَدَى التَّابِعِيَّةِ وَالْمُجَامَلَةِ، فَتَحَوَّلَ النَّاقِدُ مِنْ مُعَامِلِ صِدْقٍ يُحْيِي الْحَقَائِقَ وَيُجَلِّي الظَّلَامَ عَنِ الذُّرَى، إِلَى مُتَغَيِّرٍ تَابِعٍ يَدُورُ فِي فَلَكِ ثَوَابِتِ الْمَصَالِحِ الضَّيِّقَةِ. إِنَّهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّ تَرَاكُمَ الْأَسْطُرِ هُوَ الْبُرْهَانُ، غَافِلِينَ عَنْ أَنَّ تَرَاكُمَ الْأَقَاوِيلِ دُونَ جَوْهَرٍ يُشْبِهُ تَمَامًا نَزِيفَ الْجِرَاحِ دَاخِلَ مَجْمُوعَةٍ خَاوِيَةِ الْأَرْكَانِ لَا نَفْعَ فِيهَا وَلَا بَقَاءَ لَهَا.

· نَحْوُ تَكَامُلٍ نَقْدِيٍّ جَدِيدٍ

إِنَّ الرِّيَاضِيَّاتِ الْأَدَبِيَّةَ الَّتِي نَحْمِلُ لِوَاءَهَا، لَا تَرَى فِي الْأَلَمِ أَوِ الْعِلْمِ كِيَانَاتٍ مُنْفَصِلَةً؛ فَالْأَدَبُ هُوَ هَنْدَسَةُ الرُّوحِ، وَالنَّقْدُ هُوَ مَشْرِطُ الْحِسَابِ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يَجْبُرُ كَسْرَ النُّصُوصِ دُونَ شَلِّ أَحْلَامِهَا.

نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى نَقْدٍ يَعْتَمِدُ عَلَى حِكْمَةِ التَّكَامُلِ لِيَجْمَعَ أَشْلَاءَ النُّصُوصِ الْمُتْعَبَاتِ، وَيَشْتَقَّ مِنْ وَجَعِ الْقَصِيدَةِ ضِيَاءَ عَزِيمَتِهَا. نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى نُقَّادٍ رِيَاضِيِّينَ أَدَبِيِّينَ، يَفْهَمُونَ مَعْنَى الْفِرَاكْتَالِ فِي بِنْيَةِ الْإِبْدَاعِ؛ حَيْثُ يَحْمِلُ كُلُّ جُزْءٍ صَغِيرٍ أَوْ نَبْضَةٍ أَوْ لَفْظَةٍ فِي الْقَصِيدَةِ شُعْلَةً عَمِيقَةً تُشْبِهُ الْكُلَّ وَتُضَاهِيهِ فِي الْمَدَى.

· خَاتِمَةُ الْمُعَادَلَةِ

لِيَعْلَمَ أَصْحَابُ الْأَلْقَابِ الْبَرَّاقَةِ أَنَّ الزَّيْفَ رَاحِلٌ، وَأَنَّ الْمَجْدَ لَيْسَ لِمَنْ سَكَنَتْ كُتُبُهُ الْأَرْفَفَ وَمَلَأَتْ دَفَاتِرَهُ السُّطُورُ الْجَامِدَةُ، بَلْ لِمَنْ سَكَنَ قُلُوبَ مَنْ أَعْمَلُوا الْبَصِيرَةَ وَأَخْلَصُوا لِلْمَعْنَى.

سَنَظَلُّ نَكْتُبُ، وَنَنْقُدُ، وَنَحْسُبُ مَسَاحَاتِ الْأَمَلِ بِدَمِ الْوَفَاءِ، مُقْصِينَ الْخَيْبَاتِ الْكُبْرَى عَنْ أَوْدِيَتِنَا، حَتَّى نُعِيدَ تَرْتِيبَ مَصْفُوفَةِ الْقَلْبِ، وَتَصِيرَ حَيَاتُنَا الثَّقَافِيَّةُ وَالْأَدَبِيَّةُ سِيمْفُونِيَّةً مُبْدِعَةً، مَوْزُونَةً بِالْعِلْمِ، مَحْمِيَّةً بِالْمَنْطِقِ، وَمَشْرُوعَةً عَلَى نُورِ الْفَجْرِ الَّذِي لَا يَغِيبُ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .