الجمعة، 26 يونيو 2026

حديث الإفك بقلم الراقية منبه الطاعات

 ❁༺ حـديث الإفـــــك ༻❁


وبالنَّصْــرِ عادُوا من بَنِي المُصْطَلِقِ

وفي الرّكــــبِ نورُ اللهِ خيرُ معلِّـــمِ


وفيهــنَّ عــائشــــةُ ترافــقُ أحمــدَ

بقلبٍ نقــيٍّ طـــاهرِ الســرِّ مســـلمِ


إذا سارَ سارَ الّركبُ يحمي ظـــلالَهُ

ويحفــظُ عهـــدَ اللهِ خيرَ مُكـــــرَّمِ


فلّمـــا دنا ليـــلُ الفــــلاةِ أنــــاخوا

على سـفرةٍ في موضـــعٍ متبسّـــمِ


خرجَتْ لحاجاتِ النّساءِ تسترُ الخُطا

بصـمتِ حياءٍ هـــــادئٍ متكـــــــتِّمِ


وحينَ أتتْ نحوَ الرِّحــــالِ تفقّـدتْ

عِقدًا لهـــا بينَ الرّمـــالِ المقسَّــــمِ


فعادَتْ تقَلّبُ تُربَ بيـداءَ موحــشٍ

تفــــتّشُ عــنهُ في هـــدوءٍ معَتّــمِ


وكـــانَ الرِّجالُ الحــاملونَ لهــودجٍ

ظـنّوا بهِ أنَّ الحــبيبةَ في الخِيَـــمِ


فشدّوا المطايا فارتحـلوا مسرعين

ولم يشعـــروا أنّ الفــــؤادَ بمـــأتمِ


أتَتْ بعدَ حينٍ والرّكـــابُ تبــاعدَتْ

فجــلسَتْ ترجّـــي عودةَ المتقــدِّمِ


وقــــالتْ: سيأتونَ افتقادًا لرحلتي

فصبري إلىٰ الـرّحمٰــــنِ خيرُ تكــلُّمِ


وكـــانَ بـذاتِ المُـرَيسـيعِ مســيرُنا

مع الجيشِ في نصرٍ عظيـمٍ مُتَمَّـمِ


ومـرَّ صـــفوانُ بنُ المعطّـــلِ مقبلًا

علىٰ خُـلُقٍ يسمو بطهــــرِ المعــــلَمِ


وكـانَ إذا ما سارَ خلفَ جيوشِهِـــمْ

يلُـــمُّ بقايـــا الرَّحــــلِ غيرَ مُتَّهَـــمِ


فلمّـــــا رآهــــا قـــــالَ: إنّـــا لــلّٰـــهِ

وإنّـــــا إليــهِ راجعــــونَ بمُعــــــلِمِ


وعرَفْتُـهُ قبـلَ الحجــابِ فلم يكــنْ

ليُبدي سوى خُـلقِ العفيفِ المكــرَّمِ


فمـا كـــلّمَتْهُ غيرَ صمــتٍ مصــونِهِ

ولا قــالَ إلا الذّكـــرَ قولَ المكــــرِّمِ


أنــاخَ لها ظــهرَ المطـــيّةِ صــامتًــا

وسارَ أمــامَ الرّكــبِ خــيرَ مقـــدِّمِ


إلى أن بدتْ للنـــاسِ عائشةُ معـــهُ

فهاجَ حديثُ الإفـكِ بينَ التــوهُّــمِ


تلقّفَهـــا رأسُ النّفــــــاقِ بخبثِـــــهِ

وأوقـــدَ نــارَ الإفــكِ شــرَّ تضَـــرُّمِ


وعـــبدُ اللّهِ بــنُ أُبيِّ ابـنِ ســلــولٍ

تولَّى كِبَرَ الإفــكِ الخبيثِ المُقـــرَّمِ


كثعـبانِ غدرٍ في الظّـــلامِ ساعيًـــا

ينفثُ سُــمـومَ الزّورِ بينَ المـخيَّــمِ


وأمسىٰ يشــيعُ الزورَ بينَ نفوسِـهِمْ

ويزرعُ شكًّـــا في فـــؤادِ المُجحِـمِ


فأشعــلَ أهــلُ الإفــكِ نارًا خفيّـــةً

تسيرُ كـريحِ السمِّ وســطَ المخيَّــمِ


وقـــالوا مقــالاتٍ يضيـقُ لذكـــرِها

فــؤادُ التُّقـىٰ والقلبُ غيرُ المســلَّمِ


وكـــانَ رسـولُ اللهِ يحزنُ صامتًـــا

يخبّئُ جرحَ القلبِ خــلفَ التبسُّــمِ


تقولُ: مرضـتُ، لا أرىٰ منـــهُ رِقّـــةً

كما كنتُ ألقــىٰ قبلَ يومِ التجهُّـــمِ


فأدركـــتُ أنّ الأمرَ يُخفِي مصيبـةً

وأنَّ وراءَ الصّـــمتِ ســـرَّ المــجرِّمِ


إلى أن سمعتُ القولَ مِن أمِّ مسطحٍ

فزالَ غطاءُ الجهلِ عن كـلِّ مبهَـــمِ


فبِتُّ أبكــــي والدّمــــوعُ غـزيـــرةٌ

كــــأنَّ فؤادي فــــي لهــيبٍ مضرَمِ


ومــا جــفَّ دمعـي أو خــفَّ أنينُــهُ

ولا هـــدأتْ نفســي بليـــلٍ مُعتـــمِ


أقــولُ لأُمّي: هل سمعـــتِ مقــالـةً

تُقـالُ؟ فقالَـــتْ: هَــوِّني وتكــرَّمـي


فكــم مِن فتاةٍ ذاتِ أصلٍ ومنصبٍ

يُقــالُ عليـــها زورُ قـــومٍ بتهـجّــمِ


فقلتُ: أأمسىٰ الناسُ يخوضون في دمي؟

ويرمونَ عِـرضــي ببهتــانٍ مذمّــمِ


فزادَ بكـــائي واستطـالَ سهاديَ الـ

طويـلُ، وأمسىٰ الجرحُ غيرَ مُلتئـمِ


وجـــاءَ رسـولُ اللّهِ يسـألُ برحمــةٍ

ويطلــبُ رأيًـــا مِـن حبيبٍ مُقــدَّمِ


فأمّــا أُســـامةُ إذ تكلَّــــمَ ناصحًـــا

فأثنىٰ بخيرٍ صادقِ الظـنِّ مُحكَـــمِ


وقــالَ: نعلــمُ الخيرَ فيها ولم نرَ ما

هو مريبٌ، وهٰذا قـــولُ حرٍّ مُسلــمِ


وأمّـــا عليٌّ قــالَ: لــم يدلّــسِ اللّهُ

عــليكَ، فسَلِ الجـاريةَ الأمرَ وافهمِ


فدُعيتْ بريرةُ وهي أصــدقُ شاهدٍ

فقــــالَتْ: بخيرٍ ما عـلمتُ وأعـــلَمِ


سوىٰ أنّهــــا كــــانتْ فتاةً حديثــةً

وما بها مِن خِلالِ السوءِ أدنىٰ توهُّمِ


فقـامَ رسولُ اللّهِ في الناسِ خاطبًا

ينادي بحقٍّ واضـــحِ بغيـرِ تلعثــمِ


وقـــالَ: مَن يعــذرُني ممّن أذاهُ لي

وبــالــزّورِ آذاني بقــولٍ مُســــخـمِ


فقـــامَ سعــودُ الأوسِ غيرَ مُـداهنٍ

يغــــارُ لعِــرضِ المصطفى المتكرِّمِ


فثــــارَ رجــالٌ ثـــم كـــادتْ فتنــةٌ

تدبُّ، ولٰكــــن هــدأَ الأمرُ بالحِكَــمِ


ومرَّتْ ليـــــالٍ والوحـــيُ مُحتبِسٌ

فزادَ الأســىٰ في قلبِ تعبٍ مؤلــمِ


ولم يـأتِ جبريــــلُ الأمـينُ بآيــــةٍ

تُزيلُ غبـــارَ الشــكِّ عن كــلِّ مُبهـمِ


فأضحىٰ رسولُ اللّهِ يمشي مفكّــرًا

ويكـــــتمُ ما يلقاهُ كـــظمَ المتألِّــمِ


يرىٰ الإفـــكَ ينتشرُ انتشـارَ سحابةٍ

ويصبرُ صبـــرَ الحــــازمِ المُيمَّـــــمِ


وأذنَــتِ الغــرّاءُ أن تــأتي أهلَـــــها

لدىٰ منزلِ الصدّيــــقِ خيرِ مُقــــدَّمِ


فكــانتْ بـــــدارِ الأبِ تبكــي بحرقةٍ

وتشكــــو إلىٰ الرّحمنِ همَّ المُغمَّــمِ


وأمُّ رُومــــانٍ تُســـــلِّي فــؤادَهــــا

بقـــــولٍ رفيـــقٍ صــادقِ المتفهِّــمِ


وأبو بكـــــرٍ يمضي وقـــلبُهُ واجفٌ

كـــــقلبِ أسيرٍ في القيــودِ مُكـــلَّمِ


يرىٰ الطّـعنَ يمضي في ابنةٍ عِرضِهِ

فيــزدادُ كــربًا فوقَ كــربٍ مُراكـمِ


فما خفَّ دمعٌ في الديارِ ولا انقضىٰ

أنيــــنٌ ببيــتِ الصـــدِّيقِ المـــتألِّمِ


وطــــالَ البــلاءُ والقلـــوبُ كـــأنّها

تُعـــاني لظى الأحزانِ بأسىً مُبهـمِ


ثم أتىٰ الرسولُ بيتَ الصدِّيقِ زائرًا

وفي القلبِ ما فيهِ من الهمِّ المدممِ


فجــــلسَ النبيُّ الكـــــــريمُ مُهــيبًا

بوجهٍ يُخفي الحزنَ غيرَ مُتَكـــــلِّمِ


فــــحمدَ ربَّ العــرشِ ثم تكـــــلَّــمَ

الـنبيُّ بقــولِ النّـــــــاصحِ المتفهِّـمِ


وقـــــــالَ: يا عائـــشُ قد بلـغَ الذي

يُقالُ عنكِ اليومَ قــــولُ المُعـــــدمِ


فإن كـــــنتِ بريئـــةً فاللّهُ مُظهـــرٌ

براءتَــــكِ الغـرّاءَ وهو خيرُ مُنعِـــمِ


وإن كــــنتِ أذنبتِ ذنبًا فاستغفري

إلهَ الـــــــورىٰ، فالتّوبُ خيـرُ مُسلِّمِ


ففاضـــتْ دموعُ الطّهرِ حتّى كـأنّها

سيولُ أسًى تنسـابُ فوقَ المخيَّــمِ


وقالتْ لأبيها: أجِبْ عنّي رسولَ مَن

هدىٰ اللهُ بـهِ الآفـــاقَ بعــدَ تجهُّــمِ


فقــــــالَ: وحـــقِّ اللّهِ ما أنا قائـــلٌ

جوابًـا يوافي مــــا أتىٰ المتكـــــلِّمِ


وقـــالَت لأمٍّهـــــا: يـــا أُمُّ تكلَّـــمي

فقـالتْ: أعيا جوابي بصمتٍ محتمِ


فما عدتُ أدري ما أقولُ بحضرةِ الـ

نبيِّ الكــــريمِ الهــــاشميِّ المُعظَّـمِ


تجـــــلّدَ قلبُ الطُّهرِ رغـــمَ جراحِهِ

وقـــــالَت بيقينِ الصّـــابرِ المتسلِّمِ


لقد علمتُــــم أنّ هٰـذا الذي جــــرىٰ

قد شــاعَ حتّى صارَ قولَ المُجــرِمِ


فإن قــــلتُ: إنّي بريئةٌ لم تصـدّقوا

وإن قلتُ غيرَ الحقِّ أرضيتُ مأثمي


وما ليَ إلّا الصبرُ واللّهُ المستعانُ علىٰ

ما تصفونَ اليـومَ من كــــلِّ مأثـــمِ


ثم أدبرَت تبكـــي وتفـوِّضُ أمــرَها

إلى اللّهِ ربِّ الخـــــلقِ خيـــرِ مُنَعِّمِ


وما لي إلّا الصبرُ واللّهُ المستعانُ علىٰ

ما تصفونَ اليومَ مِـن كــــلِّ مأثـــمِ


ثم أدبرَت تبكــــــي وتفوِّضُ أمرَها

إلى اللّهِ ربِّ الخـــلقِ خيرِ مُنَعِّـــــمِ


فما هي إلا لحظـــــةٌ بعـدَ لحظــــةٍ

وأقبـلَ نـــورُ الوحــــيِ غيرَ متّهَــمِ


فأخــذَ النبيَّ الوحيُ حتّىٰ كــــــأنّهُ

غُشّيَ ثوبًـــا في ثِقـــــالِ التَّعظُّــمِ


وسُجِّي بثــــوبٍ ثم فـــاضَ جبينُهُ

عرقًا كـــدُرٍّ فـــوقَ وجــهٍ مُكـــــرَّمِ


فلمــا انجــلَت آيــــاتُ ربٍّ مُبشّـــرٍ

تبسَّمَ وجهُ المصطــفىٰ المتبسِّــــمِ


وقالَ: أبشري يا عائـشُ قد قضـــىٰ

ربُّ العبــادِ ببـــــــراءةِ المُكـــــــرَّمِ


وأنزلَ فيــــــــكِ اللّهُ آيًـا كــريمـــةً

تُتلىٰ إلى يومِ الحســـابِ المُعظَّـــمِ


فقالتْ لهـا أُمٌّ: قومي إليهِ فاشكري

رسولَ الهدىٰ الهـادي سبيلَ التكـرُّمِ


فقــــالتْ: وربّـي لا أقومُ لغيـــرِ مَن

أبـــانَ براءتــــــي بوحيٍ مُحكَـــــمِ


ولا أحمـــــدُ إلا اللّهَ جــلَّ جــــلالُهُ

فهو الذي نجّــــاني من إفــكٍ ظالمِ


وما كـــــنتُ أرجو أن يُنـزَّلَ فيَّ ما

تُتلىٰ بهِ الآيــــــاتُ خيـــرَ التكـــلّمِ


ولٰــــــكنّ فضـــلَ اللّهِ أوسعُ رحمـةً

وأعظــــمُ فضلًا من عقولِ التوهُّـمِ


فأمسىٰ كتــــابُ اللّهِ يُعــلنُ طهرَها

ويفضـــحُ أهلَ الزّورِ شـرَّ التكــــلُّمِ


ويجعلُ بيتَ الصدقِ رمـزًا دائمًــــا

ويخزي عدوَّ الحقِّ شــرَّ المعـــــدمِ


فيا محنةً صــــــارَت منــارًا لأمَّـــةٍ

وفيهـــا هدى الرّحمٰنِ خيرُ مُعلِّــــمِ


غُــــــــــــلَواء ༻❁ ✾ ❁༺

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .