الأحد، 26 يوليو 2026

في الجهات المعتمة من الروح بقلم الراقية مديحة ضبع خالد

 في الجهاتِ المعتمةِ من الروح

ليست كلُّ العتمات غيابًا للنور؛ فثمّة عتمةٌ تولد حين تُغلق الروح أبوابها من الداخل، وتترك مفاتيحها معلّقةً في ذاكرةٍ لا تنام. هناك، حيث لا تبلغ الأصوات، تتراكم الأشياء التي لم تمت، لكنها لم تعد قادرةً على الحياة.

ثمّة ما ينكسر في الإنسان دون أن يُسمَع له صوت. لا يسقط، بل يظل قائمًا، كجدارٍ يحمل شقوقه في صمت، حتى يظنه العابرون أصلبَ مما هو عليه. وما أكثر ما تخدع الملامحُ الأبصار، بينما الحقيقة تسكن في موضعٍ لا تراه العيون.

بعض الوجع لا يأتي من الفقد، بل من بقاء ما كان ينبغي أن يرحل، ومن رحيل ما كان ينبغي أن يبقى. كأن الزمن أخطأ ترتيب الفصول، فازدهرت الأشواك، وتأخر الربيع حتى نسيته الأشجار.

تشيخ الأرواح قبل الأجساد حين تثقلها الأسئلة التي لا جواب لها، وحين تصير الذكريات مرايا لا تعكس الوجوه، بل تعكس ما غاب منها. عندئذٍ، لا يعود الصمت غيابًا للكلام، بل يصبح لغةً لا يجيدها إلا الذين عبروا الخراب وعادوا بأعينٍ لا ترى الأشياء كما كانت.

وليس كلُّ طريقٍ يقود إلى الوصول، ولا كلُّ ضياعٍ يُفضي إلى الهلاك. فثمّة دروبٌ لا تُفتح إلا لمن تجرّد من يقينه القديم، وترك قلبه يمضي حافيًا فوق شوك المعنى، حتى يتعلّم أن الحقيقة ليست دائمًا ما نراه، بل ما يبقى فينا بعد أن يغادر كلُّ شيء.

وحين يظن المرء أنه نجا من العاصفة، يكتشف أن الريح لم تكن في الخارج، بل كانت تُعيد ترتيب الجهات في داخله. ومنذ تلك اللحظة، لا يعود يبحث عن الضوء... بل عن نفسه التي أضاعها وهو يلاحق ظلاله.

لعلَّ أقسى ما يُصيب الروح ليس الوجع، بل أن تعتاده، حتى يصبح جزءًا من نبضها، فلا تعرف أهو الذي يسكنها، أم هي التي أصبحت تسكنه.

وفي الجهات المعتمة من الروح... لا يضيع الإنسان، بل يعثر على الوجه الذي أخفاه عنه الضوء طويلًا.

✍️ الشاعرة الحرة 🎀مديحة ضبع خ

الد🎀🇪🇬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .