الثلاثاء، 2 يونيو 2026

عمق الجذور بقلم الراقي محمد شعوفي

 عمق الجذور:

فلسفة الصمود في زمن التحولات. 


حين يشتد الضجيج من حولنا ويتسارع العالم في جريه نحو المجهول، تبرز الحاجة الملحّة إلى صوت هادئ يقول بكل ثقة: أنا هنا، وأنا أعرف من أكون.

ليس تعالياً على الزمن، ولا هروباً من تحدياته، بل وقفة صادقة أمام مرآة الذات لاستعادة البوصلة حين تتوه المسالك.

وهذا النص ليس إلا شهادة متواضعة في هذا المعنى.

يمرّ العالم اليوم بمنعطفٍ متسارع الخطى، تتدافع فيه الأحداث كأمواجٍ عاتية لا تهدأ، وتختلط فيه المفاهيم حتى غدا الصخب هو اللغة السائدة، والاستهلاك هو المعيار الأول لتقييم الذات الإنسانية.

في هذا المأزق الحضاري، يجد الإنسان نفسه أمام خيارين: 

إما الذوبان في سيول المتغيرات، وإما البحث عن ركيزة صلبة تعيد للروح اتزانها وسط الأنواء.

وفي خضم هذا العصر، أجد نفسي واقفاً كشجرةٍ عتيقة راسخة الجذور.

أصمت، غير أن صمتي ينطق بما تعجز عنه الخطب الرنانة.

وأتمسك بجوهر ما تربيت عليه، وكأنني أحمل في صدري زمناً آخر؛ زمناً أكثر هدوءاً وعمقاً، لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك أو بما يُظهر، بل بما يحمل في قلبه من صدقٍ ومروءةٍ وأثرٍ طيب.

لا ألهث وراء بريقٍ يخبو مع أول ريح، ولا أسعى إلى لفت الأنظار بكلماتٍ جوفاء أو مظاهر عابرة.

بل أعود إلى أعماقي، أتأمل وأراجع وأتعلم، ثم أهمس بما استخلصته من تجارب الحياة إلى كل قلبٍ يبحث عن معنى حقيقي للوجود.

كيف نعيش بكرامة؟

وكيف نحفظ صفاء الروح في زمنٍ تُعرض فيه المبادئ في أسواق المصالح، وتُقاس فيه الأشياء بمظاهرها أكثر من حقائقها؟

هذه الكلمات ليست حروفاً مصطفة على الورق، بل مرآة أرجو أن يرى فيها القارئ شيئاً من ذاته.

إنها دعوة إلى مراجعة المسير، وإلى التمسك بما يبقى حين يسقط الزيف وتتبدد الأقنعة العابرة.

ولعل أجمل ما تعلمته في مسيرة بناء الذات أن الإنسان لا يُبنى بالنجاحات الخارجية وحدها، بل بالقيم الإنسانية الشامخة التي يحملها في طريقه إليها.

لذلك كانت العائلة هي الملاذ الآمن والجذع الصلب الذي أستند إليه عند اشتداد الرياح.

وكانت الثقة المتبادلة في علاقاتي هي الحصن النفسي الذي يحمي من التآكل الداخلي.

فالصدق جسر متين يصل القلوب بلا تكلّف، والأمانة راحة للضمير، والاحترام قيمة ترفع الإنسان فوق صغائر السلوك وردود الأفعال المؤقتة.

وقد أيقنت أن الحياة تدور على الجميع بلا محاباة؛ فما نزرعه اليوم نجنيه غداً، والخير لا يضيع أثره وإن تأخر ظهوره، كما أن الشر لا يورث صاحبه إلا مزيداً من الخسارة الداخلية العميقة.

ومنذ وعيت الدنيا، لم أرَ الطيبة ضعفاً أو وهناً كما يتوهم البعض، بل رأيتها أقصى درجات القوة الهادئة.

فليس القوي من يقسو على الناس ويسحق مشاعرهم، بل من يحافظ على نقاء روحه وسكينته رغم ما يلقاه من قسوة الحياة وجراح البشر.

وكذلك الصبر؛ فهو ليس استسلاماً للواقع ولا انكساراً أمام العاصفة، بل هو قدرة راقية على الثبات، وانتظار واعٍ لا يفقد الأمل، ومواصلة للسير الإنساني حين يتوقف الآخرون مستسلمين.

قد أُخدع أحياناً، وقد أُجرح في مسارات الحياة، وقد أمرّ بلحظات وحدةٍ ثقيلة النَّفَس وأنا بين الحشود، لكن ذلك كله لا يغيّر اختياري الواعي.

فأنا أواصل بناء سلامي الداخلي، وأعيد ترتيب روحي كلما حاولت العواصف أن تقتلعني من ثوابتي.

أنمّي قدراتي في هدوء، وأزرع الأمل حيث يشتد الظلام، مؤمناً بأن الحياة الطيبة لا تُمنح هبةً مجانية، بل تُصنع بالصبر والعمل والنية الصادقة.

ولا أدّعي السيطرة على كل ما يحدث حولي، فالأقدار تمضي في كثير من الأحيان خارج حدود إرادتنا الإنسانية، لكن يبقى بين يديّ الخيار الأهم والحرية الحقيقية:

كيف أواجه؟

وكيف أستجيب؟

وكيف أحافظ على إنسانيتي وسط التحولات الجارفة؟

لذلك اخترت السلام النفسي بدلاً من القلق المستنزف، والامتنان بدلاً من الشعور الدائم بالنقص، والمضي قدماً بدلاً من الارتهان لماضٍ انتهى.

وهكذا أعيش، وهكذا أوصي نفسي قبل أن أوصي غيري.

ولا أرى في التمسك بالقيم رفضاً للعصر أو هروباً من الواقع، بل أراه حفاظاً على جوهر الإنسان من الذوبان في ضجيج المتغيرات.

فالتطور الحقيقي لا يكون بالتخلي عن الأخلاق، وإنما بالارتقاء بها لتبقى حاضرة ومنارة هادية في كل زمان ومكان.

لا يهمني أن يراني البعض غريباً عن هذا الزمن، فأنا فخور بقلبٍ لم تُفسده الأيام، وبمبادئ لم تُسقطها رياح المصالح، وبإيمانٍ راسخ بأن الصمت الحكيم أبلغ من كثير من الضجيج، وأن العودة إلى الجوهر هي الطريق الأقرب إلى النجاة والحرية الحقيقية.

وحين أقف أمام مرآة نفسي في خلوتي، لا أجد ما أخجل منه.

بل أرى رحلةً حاولت فيها أن أكون صادقاً ما استطعت، وأن أختار السلام كلما دعاني الغضب، وأن أتمسك بالخير كلما أغرتني الطرق الأسهل والمنحدرات البراقة.

وفي الصبر الجميل مفتاح كل فرج، وفي الثبات على المبادئ سرّ سعادةٍ عميقة لا تمنحها الظروف المادية ولا تنتزعها الأيام.

لهذا أبقى كشجرةٍ تضرب جذورها عميقاً في أعماق الأرض.

لا تمنعها العواصف من الميل أحياناً تماشياً مع الحكمة، لكن العواصف لا تملك أبداً أن تقتلعها.

فما دام القلب عامراً بالقيم والروح متصلةً بمعنى الخير الأسمى، فسيظل هناك دائماً نور يقود الخطى ويضيء الدرب للأجيال القادمة.

مهما اشتد ظلام الطريق، تظل الأرض خضراء بالقيم، حيّة بالإنصاف، شاهدة على أن الجذور الراسخة لا تكذب.

بقلم:

د. محمد شعوفي

بشار _ الجزائر

02 يونيو 2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .