«حديقة الخطأ»
طاهر عرابي
دريسدن - 25.06.2026
——-
يا حديقةً جلستُ بها ساليًا،
هاربًا من الصخبِ والقيظ،
مستسلمًا لشيطانِ الشعر،
أوهمني أني شاعر،
ودفعني مغموماً من الحرِّ… وهرب.
لم أحزن على فراقه،
وجلستُ أراوغُ فكرةَ انتقالِ المنطق
إلى جزيرةِ الوجودية،
لا لسببٍ… بل للراحة.
زارتني الحشراتُ،
والقياداتُ المنكوبةُ
زاحفين،
كأنني منبوذٌ
من مملكةِ القرف.
أردتُ ظلي تحت شمسية،
هو لا يسمعُ ولا يرى،
لكنه شاهدٌ
حتى لو تعرّى.
ذبابةٌ خدشتْ شفتي،
ثم قفزتْ في صحنِ الطعام،
كأنها تضع ختمَها الأخير،
وسعالُ ديكٍ
مصحوبٌ بنزعةِ الفرار،
يتوسّلُ لفراشةٍ
وقفتْ مصمومةَ الأذنِ منه.
فضّلتُ الجوعَ
على أن أُدني شفتي
من جناحِ ذبابة.
وبعوضةٌ دارتْ حولي طويلًا،
طوافًا على جسدٍ
لم يُعَدَّ إلا ليكون محطةً للوَخز،
ثم لسعتني حيث لا تصل عيني
لرؤية الجريمة،
كأن المكانَ نفسه
يختبرُ احتمالي.
قلتُ للعنكبوتِ
الذي اتخذ مكانًا بديعًا فوق رأسي
كأنه قمرٌ صناعي:
ادعُ الذبابَ وتعشَّ بهناء،
وبالبعوضِ تسلَّ
كما يتسلّى الساهرُ
بفستقٍ مالح.
كلكم غرباء،
لم أدعُ أحدًا منكم،
لا الدودَ اتخذ لونَ الأغصان،
وعينه على بذورِ حبِّه التفاح،
ولا صرصورًا يتنفسُ المساء
بصفيرٍ أحمق.
وسمعتُ غرابًا يسأل:
هل نذيرُ الشؤمِ مشؤوم؟
يا لغرابةِ الهاربين من الواقع.
يتهكّم الناس عليَّ
بالعزلة والوحدة،
يا ليت العزلةَ
تُعفيني من الوَخزِ والسَّع.
لا وحدةَ في حديقةٍ
تهواها العصافير،
وسنجابٌ يطاردُ نفسه
خوفًا من السكينة.
هممتُ بالمغادرة،
فاستوقفني شحرورٌ يائس،
غزاه نملٌ أسود،
فغرّد دون موعدٍ
ظنًّا منه أن النجاةَ ممكنة.
ضحكتُ من تفاؤلِ الشحرور،
ونسيتُ فشلي.
من أين تبدأ المتاهة؟
أنا في المكانِ الخطأ،
والخطأُ
يسكنُ مكاني.
دريسدن- طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .