السبت، 6 يونيو 2026

الوعي بين بريق المظهر وعمق الأثر بقلم الراقي محمد شعوفي

 الوعي بين بريق المظهر وعمق الأثر:

في زمن تتصدره الوجوه. 


أكاد أجزم أن الكلمة، في زمننا هذا، باتت تحتاج إلى إذن كي تتنفس.

لا أقول هذا تبرماً أو شكوى، بل أقوله تأملاً هادئاً في مفارقة لافتة تشد انتباه كل سائر في دروب الكتابة ومراقب لفضاءاتها المتشعبة.

فمنذ أن أمسكت بالقلم وجدت نفسي أمام معادلة غريبة تتكرر في كثير من الفضاءات الثقافية والمنابر الإعلامية: 

يُقال لنا خلف كواليس النشر باستمرار...

اختصر، فالمساحة ضيقة، والقارئ المعاصر لم يعد يحتمل الإطالة، والفكرة إن لم تُقَل في أسطر معدودة أثقلت الأذهان وأرهقت المتلقين.

ولستُ ممن يرفض هذا الرأي جملةً وتفصيلاً، إذ ليس كل طول فضيلة، وليست الإطالة مرادفاً للعمق في كل حال، والتكثيف الواعي حين يُحسن توظيفه يكون أشد تغلغلاً في العقل وأبلغ أثراً في الوجدان.

غير أن سؤالاً يفرض نفسه بجرأة هادئة لا تعلو ولا تصخب:

أين تذهب المساحة التي انتُزعت من الكلمة بحجة الاختصار؟

حين أتأمل المشهد من حولي بعين متأنية، أجد تلك المساحة تمتلئ بما يمكن تسميته فائضاً بصرياً يزدحم بالصور المتكررة، والوجوه التي تتصدر الأغلفة والشاشات والإطارات.

حتى ليُخيَّل للمتابع أن الصورة أصبحت هي الرسالة، وأن الوجه صار هو المعنى، وأن الحضور البصري غدا غاية في ذاته لا وسيلة لخدمة الفكرة وتعميقها.

والمفارقة الصادمة أن الكلمة التي طُلب منها الانكماش والتواري، هي وحدها صاحبة الشرعية الأصيلة في بناء الوعي وصون الذاكرة الإنسانية.

هي وحدها التي تحمل بذور التغيير، وتملك قدرة فريدة على إيقاظ الأسئلة الحرجة، وتدفع الإنسان إلى التأمل وإعادة النظر فيما يظنه يقيناً راسخاً.

أما الصورة، مهما بلغت من الجاذبية والبريق، فإن أثرها غالباً ما يبقى رهين اللحظة الخاطفة التي وُلدت فيها.

إنها تلمع سريعاً في العين ثم تتوارى في شلال الصور المتدفق الذي لا ينافسها إلا في سرعة النسيان.

في المقابل، تملك الكلمة الصادقة خاصية مغايرة تماماً؛ إذ تتجاوز لحظة الاستهلاك البصري العابر لتستقر في عمق الذاكرة وتواصل هندستها الهادئة للعقل والوجدان.

وقد تعيش سنوات طويلة بعد أن تنمحي الصور التي زاحمتها يوماً على مساحات الورق والانتباه.

وحين أكتب هذا لا أدعو إلى إقصاء الصورة أو التقليل من قيمتها الإيحائية، فلكل وسيلة تعبيرية لغتها ووظيتها.

وللصورة قدرتها الخاصة على نقل المشاعر واختصار المسافات حين تكون في خدمة المعنى لا بديلاً عنه.

لكنني أدعو إلى شيء أبسط وأعمق في آنٍ معاً:

أن تُمنح الكلمة حقها الطبيعي في الوجود والمساحة قبل أن تُساق إلى مقصلة الاختصار.

وأن يُقاس الحضور بما يُضيفه من قيمة معرفية لا بما يحققه من رواج عابر.

وأن يكون الوجه الحقيقي لأي منبر ثقافي هو ما يرسّخه في العقول من فكر، لا ما يملأ العيون من بريق زائل.

فالكتابة التأملية الحقيقية لا تُقاس بمسطرة الأسطر، بل بعمق الأثر الذي تتركه في صمت القارئ بعد أن يضع النص جانباً.

والمنبر الثقافي الأصيل لا يُعرَّف بكثرة الصور المتكررة على صفحاته، بل بسعة الآفاق التي يفتحها للفكر كي يتنفس، وللأسئلة كي تنضج، وللأفكار كي تجد طريقها إلى القلوب والعقول.

والأمم في نهاية المطاف لا تُخلَّد بما تعرضه من صور، بل بما تحفظه في صدورها من أفكار.

وبما تنتجه من قيم ومعانٍ، لا بما تكرره من استعراضات بصرية عابرة.

فلنفسح للكلمة مجدها، ولنُعِد للمظاهر حجمها الطبيعي.

كي يبقى الوعي محصّناً بعمق الأثر، لا مبهوراً ببريق المظهر، ولا مسجوناً في هامش يتسع للوجوه ويضيق عن المعنى.

فمن عرف الفرق بين ما يُرى وما يُعاش، امتلك مفتاح نفسه ولم يعد لزهو الآخرين عليه سبيل.

بقلم:

د. محمد شعوفي

07 يونيو 2026م

غرائب الدهر بقلم الراقي السيد عبد الملك شاهين

 غرائب الدهر


أَلَا إِنَّ فِي الدَّهْرِ الَّذِي نَحْنُ أَهْلُهُ

لَعِبْرَةَ ذِي لُبٍّ إِذَا هُوَ أَبْصَرَا


رَأَيْتُ زَمَانًا قَدْ تَبَدَّلَ وَجْهُهُ

فَأَصْبَحَ فِيهِ الْحُرُّ بِالْغَمِّ أَجْدَرَا


وَكَمْ عَالِمٍ طَوَتِ اللَّيَالِي ذِكْرَهُ

وَكَمْ جَاهِلٍ فِي النَّاسِ قَدْ صَارَ أَشْهَرَا


وَكَمْ صَادِقٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ سُبُلُهُ

وَكَذَّابُ قَوْمٍ فِي الْمَجَالِسِ صُدِّرَا


غَرَائِبُ أَيَّامٍ إِذَا مَا تَأَمَّلَتْ

رَأَيْتَ بِهَا الْعَجَبَ الْمُحَيِّرَ أَكْثَرَا


إِذَا نَطَقَ الْجُهَّالُ سَادُوا وَصُفِّقُوا

وَإِنْ قَالَ رَبُّ الْعِلْمِ أَعْرَضَ مَنْ دَرَى


وَصَارَتْ مَوَازِينُ الْفَضَائِلِ عِنْدَهُمْ

تُمِيلُهَا الدُّنْيَا إِذَا الْمَالُ أَقْدَرَا


وَمَا النَّاسُ إِلَّا بَيْعَةٌ وَمَصَالِحٌ

فَمَنْ كَثُرَتْ أَمْوَالُهُ قَدْ تَصَدَّرَا


تَرَى الْمَرْءَ يَبْنِي فِي الْحَيَاةِ مَعَالِيًا

وَيَحْسَبُ أَنَّ الْمَجْدَ قَدْ صَارَ مُقْتَدَرَا


فَيَأْتِي قَضَاءُ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ مَوْعِدٍ

فَيُمْسِي الَّذِي شَادَ الْقُصُورَ مُقَبَّرَا


وَكَمْ مِنْ عَزِيزٍ بَاتَ يَمْشِي مُكَرَّمًا

فَأَصْبَحَ بَيْنَ الْخَلْقِ بِالذُّلِّ أَشْهَرَا


وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ صَابَرَ الدَّهْرَ مُحْتَسِبًا

فَنَالَ مِنَ الرَّحْمَنِ فَضْلًا وَأَوْفَرَا


فَلَا تَغْتَرِرْ بِالْمَالِ يَوْمًا وَزِينَةٍ

فَكَمْ جَمَعَ الْإِنْسَانُ مَا ثُمَّ بَعْثَرَا


وَلَا تَأْمَنِ الدُّنْيَا وَإِنْ لَانَ مَسُّهَا

فَقَدْ تُظْهِرُ الْإِحْسَانَ حِينًا لِتَغْدِرَا


خُذِ الْعِلْمَ وَاجْعَلْهُ الرَّفِيقَ فَإِنَّهُ

إِذَا ضَاعَ مَالُ الْمَرْءِ كَانَ لَهُ ذُخْرَا


وَعِشْ بِالتُّقَى فَالتُّقَى خَيْرُ مَا ارْتَقَى

بِهِ الْمَرْءُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَجْدَ وَالذِّرَا


وَإِنْ نَابَكَ الْخَطْبُ الْعَظِيمُ فَلَا تَهِنْ

فَكَمْ فَرَّجَ الْمَوْلَى كُرُوبًا وَيُسِّرَا


وَلَا تَحْمِلَنْ فِي الصَّدْرِ حِقْدًا فَإِنَّهُ

يُحِيلُ جَنَانَ الْمَرْءِ نَارًا وَسَعَّرَا


فَطُوبَى لِمَنْ أَحْيَا الْمُرُوءَةَ صَابِرًا

وَصَانَ لِسَانًا بِالْمَكَارِمِ عُطِّرَا


هُوَ الذِّكْرُ يَبْقَى بَعْدَ مَوْتِ صَاحِبٍ

إِذَا كَانَ فِي دَرْبِ الْفَضَائِلِ سَيَّرَا


فَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَوْجَةٌ بَعْدَ مَوْجَةٍ

تُدِيرُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَا قَدْ تَقَدَّرَا


بقلم: السيد عبدالملك شاهين

سأبتعد قليلا بقلم الراقي قاسم عبد العزيز الدوسري

 سأبتعدُ قليلاً...

سأبتعدُ قليلاً...

لا لأنَّ الطريقَ أثقلَ من خطايَ

 ولا.. لأنَّ في القلبِ عجزَ المسافرِ

 حين يشيخُ التعبُ في عينيهِ

لكنَّ الضجيجَ كان يعلو

كريحٍ مالحةٍ تجلدُ نوافذَ الروح

وكانت السماءُ المشحونةُ

تمطرُ شوكاً

كلَّما حاولتُ أن أفتحَ نافذةً للأمل

فكَّرتُ كثيراً...

وقلَّبتُ دفاترَ العمرِ ورقةً ورقة

 أقرأُ وجوهَ الأمسِ

وأصغي إلى حفيفِ الذكرياتِ

 وهي تتساقطُ

 كسعف نخيلٍ يابسٍ

على ضفةِ الانتظار

لم أكنْ حائراً...

فبعضُ النهاياتِ تُولدُ معنا

كما يولدُ الظلُّ مع الجسد

وبعضُ الحقائق....

لا تحتاجُ إلى براهينَ كثيرة

يكفي أن تلمسَ القلبَ ليعرفَها

الشمعةُ...

مهما نشرتْ دفءَها

في الجهاتِ الأربع

 ومهما رسمتْ حولها دوائرَ الضوء

لا بدَّ أن تذوبَ قطرةً قطرة

حتى تصيرَ رماداً في قاعِ وحدتِها

والموجعُ حقاً...

أنَّها قد تذوبُ

من أجلِ نافذةٍ لا ترى نورَها

 أو من أجلِ عابرٍ...

لا يلتفتُ إليها وهي تحترق

كنتُ أرى الطرقَ الملتويةَ

تمتدُّ أمامي ...

كأفاعٍ سوداءَ تزحفُ تحتَ العشب

 وأرى الخديعةَ

تبدِّلُ أقنعتَها كلَّ صباح

وكان يظنُّ أنني لا أرى...

أنَّ عينيَّ غافلتانِ

 عن تفاصيلِ المشهد

وأنَّ قلبي لا يفقهُ لغةَ الظلال.

لكنني كنتُ أعرفُ...

وأصمتُ.

أعرفُ كلَّ منعطفٍ في تلك الدروب

وأتركهُ يمضي إلى آخرِ الطريق

 كمن يراقبُ زورقاً مثقوباً

يبتعدُ في النهرِ حتى يبتلعهُ الماء

ورغمَ تجاهلي...

كان شيءٌ في داخلي ينكسرُ بصمت

 وكان الوجعُ ينمو

 كجذرِ شجرةٍ خفيّة

تحتَ ترابِ الروح

لقد تعوَّدتُ أن أبدو ساذجاً أحياناً

لا جهلاً...

بل حفاظاً على الرحلة

وحبّاً لما تبقّى من أغنياتِ المساء

لكنَّ الرحلاتِ كلَّها

 لا تستحقُّ أن نغرقَ معها

 ولا كلُّ الموانئِ

 جديرةٌ بأن نلقيَ عندها آخرَ مراسينا

لذلك...

سأبتعدُ قليلاً

 مثلَ نهرٍ يغيّرُ مجراهُ في هدوء

ومثلِ نخلةٍ تكتفي بالصمتِ

حين يكثرُ حولها

 صخبُ الرياح


قاسم عبدالعزيز الدوسري

المتهمون بالحلم يا رفيقي بقلم الراقي وسيم الكمالي

 *المتهمـــون بالحلم يارفيقـــــي*

بقلم

 *وسيم الكمــالي*

 *الأحد 7 يونيو 2026*


نحن عشاق الحلم يا رفيقي، ومتهمون بالحلم...

نعيش الحلم.. لكنه لا يعيشنا

نعيش الحزن في حياتنا، والفرح بعيد عن منالنا..

نكتب الشعر.. بكل قوة، والشعور قد مات فينا..

وعشش الخوف قلوبنا..

صرنا لا ندري أين نحن، لا نعرف أين خطواتنا..

لا رفيق يمسح دمعنا، ولا قريب أو بعيد يؤاسينا..

شؤم وبرود قد التّف من حولنا..

ندور حول مجهول، وكل يوم يزيد دوارنا..

لا حب باقٍ في بلدتنا، ولا أرض باتت تتسع لنا

مفرقون في كل حين، ممزقون معظم أوقاتنا.

تربع كل سفيه علينا، وترجل كل ذليل فوق رقابنا..

لا ندري من أين نأتي؟ فتصالحنا ليالينا وأيامنا..

نغني لكي ننسى، فكل أغانينا بلا ألحان..

وكل صوت لنا غير موصول، فقد أعدم الأعداء وصالنا..

وجعلونا بلا وصل ولا وصال

لقد ذبحونا أعوامًا.. كالأنعام..

وباعوا وسرقوا مرتباتنا، وشعرنا، وزادنا، وشعيرنا...

وبرنا وطعامنا.. وماءنا.. وسراجنا وأنوارنا..

وجعلونا في الظلام..

يحكمنا الطاغي والإمام..

ويلعب بعواطفنا كل متحزب وخائن..

لقد خدعونا بالهتافات، خدعونا بالشعارات..

وباسم الحرية أعدمونا

أكلوا لحمنا وأجسادنا، ورموا بنا للكلاب مجرد عظام

لكن يارفيقي مازال الأمل فينا

لأننا عُشــــاق الحــلم..!!


وسيم الكمالي

عندما يغيب القمر بقلم الراقي السيد الخشين

 عندما يغيب القمر 


عندما يغيب القمر 

ويبقى السهر   

أجلس مع هدوء الليل 

فتؤنسني الأحلام 

وكتاباتي 

تصارع إحساسي

فيجف حبري 

وكلام الليل 

يخفيه الدجى 

ويأتي الصباح

ويعبق الزهر 

بقطرات الندى

فتعود الحياة 

مليئة بالذكريات 

وأنا بين نور الشمس

وعتمة الليل 

أبحث عني 

في متاهات المتناقضات

وتتوالى الأيام

في انتظار ما يمليه القدر 


     السيد الخشين 

      القيروان تونس

الجمعة، 5 يونيو 2026

أسئلة إلى أبي بقلم الراقي سامي العياش الزكري

 أسئلة إلى أبي 

..................


أبتاهُ هل عشتُم على هذي البلادِ ؟

وكيف حياتُكم من عهدِ عادِ؟  


وهل عشتُم كما عشنا قتالًا  

على قرصِ الرغيفِ بكلِّ وادِ؟  


نموتُ مشقَّةً ضربًا وركضًا  

لنحيا ساعةً في خيرِ زادِ  


ننقِّبُ في الصخورِ على رغيفٍ  

ونبحثُ في الترابِ عن الزبادي  


وإن لم نستطعْ توفيرَ قوتٍ  

أكلنا ما غزتنا من جرادِ  


وهل عشتُم على قلقٍ وخوفٍ  

كما عشنا على صوتِ الزنادِ؟  


وهل طِفْتُم بلادَ اللهِ سعيًا  

لكسبِ الرزقِ من أيدي العبادِ؟  


وهل ذُقْتُم كما ذُقْنَا عناءً  

تلينُ لهُ الصخورُ من الجمادِ؟  


وهل أكلتْ رواتبَكم كروشٌ  

وما شبعتْ بمائدةِ البلادِ؟  


وهل حكمتْ دُوَيلتَكم رؤوسٌ  

ثمانيةٌ كتعويضٍ ل(هادي)؟  


وهل طالتْ سنينُ القحطِ فيكم  

لجيلٍ كاملٍ من غيرِ زادِ؟  


ولا رؤيا ولا مُلْكٌ حكيمٌ  

ليأتيَ العامُ يعصفُ بالشِّدادِ؟  


أبتاهُ هل تدري جوابًا  

لأسئلتي التي خلعتْ فؤادي؟  


أجبنا: كيف عشتم في بلادٍ  

كهذي بعد شدَّادِ بنِ عادِ؟  


أ-سامي العياش الزكري

ذكرى النكسة بقلم الراقية عزة كامل

 ذكرى النكسة

في الخامسِ من يونيو الحزينِ تألَّمتْ

أرضُ الكنانةِ وارتجفَ الزمانُ بما كتمتْ

صُبحٌ أتى والناسُ تحيا أمنَها

فإذا السَّماءُ بنارِ حربٍ قد رمتْ

لا إنذارَ جاءَ ولا مقدِّمةٌ بدتْ

لكنَّ أوجاعَ الليالي قد هَجمتْ

سمعَ الصغارُ دويَّ نارٍ مرعبةٍ

وشظايا الموتِ المروِّعِ قد دارتْ

لا فرقَ بينَ الشيخِ أو طفلٍ هنا

فالويلُ فوقَ الجميعِ يومًا قد عمَّتْ

والناسُ تنظرُ للطائراتِ بدهشةٍ

لا تعرفُ الأعداءَ كيفَ تقدَّمتْ

والراديو ينثرُ في البيوتِ بشائرًا

لكنَّ أرضَ الواقعِ المُرَّ انصدمتْ

صوتُ المذيعِ يذيعُ نصرًا زائفًا

والروحُ من هولِ المصائبِ قد صمتْ

والصحفُ تكتبُ ما يخالفُ واقعًا

والعينُ تبصرُ ألفَ مأساةٍ نُسجتْ

في السويسِ سالتْ دمعةٌ عربيةٌ

وعلى الطرقاتِ الحكاياتُ انتهتْ

أطفالُها، نساؤها، وشيوخُها

في قلبِ مأساةٍ عظيمةٍ قد أُرهقتْ

والناسُ تحملُ من فقدنا حُرقةً

فالموتُ في كلِّ الجهاتِ به بطشتْ

وسيناءُ تبكي من جراحِ كرامةٍ

أرضٌ عزيزةٌ بالوفاءِ قد ارتبطتْ

لكنَّ شعبَ النيلِ ما هانتْ لهُ

روحُ الصمودِ ولا العزائمُ انحنتْ

فمن الرمادِ أتى الرجاءُ مُبشِّرًا

وبعزمِ أبناءِ الكنانةِ قد نهضتْ

وجاءَ نصرُ العاشرِ المجيدِ شاهدًا

أنَّ الليالي، وإنْ قستْ، ما انتصرتْ

تبقى الذكرى جرحًا يسكنُ مهجتي

لكنَّ مصرَ على الشدائدِ قد ثبتتْ

فالمجدُ يُبنى بالصمودِ وبالوفا

والشعبُ مهما اشتدَّ ليلُهُ ما انكسرتْ.

عزه كامل

قرد المنجا بقلم الراقي طاهر عرابي

 «قرد المنجا»


طاهر عرابي


دريسدن – 06.06.2026



يا خيطًا يدخل في ثقب الإبرة،

ويا إبرةً تدخل ثقب زرّ قميصي،

ويا قميصًا يتباكى من قسوة الفكرة،

يُحاك ولا يتذمّر، وأنا أشدّ الزرّ

إلى العروة،

أُسكنه فيها… وأنسى.

كلّهم متفقون على سكينةٍ

تقاضي الضجيج وتربح الصمت.


لمن أتوسّل، والقميص رداءٌ لا يغفر لوخزة؟

سمعته يشتكي على جسدي،

يحملني صخبَ ترفي،

وأنا ألبسه في مظهرٍ

يمنحني العفّة.

يكلح إن طال عمره تحت الشمس،

ويتفتّق الخيط إن شدّه حبل الغسيل هاربًا من ريح،

وهو على جسدي يتردّى.

لستُ مغفرةً تحاكي النسيج، ولا أرى أني مُتَّهَمًا.


وسرى بردُ الغضب في عروقي،

كأن شيئًا ينفصل عني من الداخل،

وانتابني شعورُ أني أترهّل بين جلدي والقميص، كأن المسافة بيننا تتّسع،

فأسندتُ ظهري إلى جذع شجرة…

استوقفني زرّ خرج من العروة.


وفهمتُ أني أصبحتُ فقاعةً تتفلّت من جلدي.

شدّني الجذع، وأمسك بالقميص،

فصرخ القميص:

اجلسْ إلى الشجرة… لكي لا تمزّقنا.

أنا أصير خرقة،

وأنت العاري،

إن صرتَ جسدًا يحمل شرائحي، وأنا أرفرف

كأشرعةٍ تنتحب،

فلن يفهمك الخيط، ولن يحملك الزرّ،

والألوان ستخجل من غضب الريح.


سمع قردٌ نداء القميص،

وهو فوق شجرةٍ يأكل حبّة المنجا.

أنهى تلذّذه ليدخل لذّة أخرى

وجدها في ملامحي الحائرة،

وفي قميصٍ لم يكن يعنيه،

صرتُ لذّةً للقرود؟


كم أخشى أن يعشق قميصي فيسرقه،

أو يمسح به لعابه الصدئ،

ويتركني عاريًا، كأنه يمنحني شهادة صديق.

حمل البذرة، دفنها في التراب،

ومكث يحرسها من منقار غراب،

يتوسّل للمطر، يجمع روث البقر.


قلتُ للقميص: الهجوم أرحم من الدفاع.

ربما نخسر خيطًا يتعلّق به زرّ،

ويظنّ القرد أن عنكبوتًا يتسلّى.

يا قردَ المنجا… أين قميصك؟

لا يسترك شيء… وترضى.

علقتُ هنا بجذع الشجرة،

فكنّي دون أن تقطع خيطًا، وإيّاك أن تعبث بالأزرار.


ضحك القرد وقال:

أأنت من يتجرأ ليشكوني للتفاهة؟

قميصك تجمعه الأزرار ويحمله خيط

من القنّب، والقنّب يحترق إن أبرقت.

ألا تشعر أن القميص إن ضاق عليك

يولد فيك الحيرة والغضب؟

دعه يتمزّق،

وكأنه يودّع ترفًا لم تلحظه مسامات جلدك.


تفتقه من الخلف وتمضي، كأن القميص

لوحة تستر الصدر وتنسى من يراك من الخلف،

وتقنع نفسك أنك كامل

من وجهٍ إلى وجه، والخلف متروك للعجب،

وتراني تافهًا لأنك تشغل نفسك بزرٍّ وعروةٍ وخيط،

أما أنا العاري،

لي حبّة في الأرض، ألا من حقي أن أتلذذ؟


وأنت رحلة قلق، فيك خيوط غرستها الإبر.

لا تحاول خداعي،

الإبرة غرست الخيوط في صدرك،

وأنت سمّيتها قميصًا يخفي دقات القلب الهائم.


أما أنا فزرعتُ وأنتظر لأطعمك،

لتحيا، فمن الخيط لا ينبت شجر.

كفاك هربًا من زرّ يمسك رقبتك

إلى خيطٍ يستر صدرك.


أنا لا أحب الخيوط،

ولا نسيجًا فيه ألوانٌ تبلى،

وتؤلمني الإبرة حتى لو دخلت زرّ القميص

وخرجت بخيطٍ أحمق

يربط نفسه بزرٍّ ليس من وحيه.


التفتَ إليّ كفيلسوفٍ أنهى حوارًا

مع قمرٍ يرافق الشمس: هل تحبّ المنجا.


لم أجب.

كان الجذع يبرد تحت ظهري،

والقميص يهمس بخيطٍ لا أعرفه،

والقرد ينفض التراب عن كفّيه

كأنه يدفن شيئًا آخر غير البذرة.


لم أعد أرى القميص،

ولا الشجرة، ولا القرد.

فقط خيطٌ واحد

يتحرّك في الهواء، معلّقٌ به زرّ

يتشبّث به قرد.

لا أعرف

هل يهرب مني…

أم يدعوني أن ألحق به.

أعطاني القرد بذرةً غرستُها،

وبتُّ ليلي أواسي القميص…

كأن الخيط الأخير

ما زال يبحث عني.


دريسدن – طاهر عرابي

عودة البدر بقلم الراقي عبد السلام جمعة

 عودة البدر

********

قالوا رأينا البدر يطلع بالحلا

                 ما كان يوما هكذا متجملا

و اليوم عاد و لا شحوب بوجهه

             يا هل ترى من أي قطر أقبلا

فأجبتهم البدر كان بأرضها

               و تبسمت في وجهه فتهللا

وبقيت أنظر في ملامح وجهها

            في وجهه إذ عاد لي متعجلا

عاد الجميل بحسنها و دلالها

   في اليمن عاد و في السلام محملا

كم عاد لي و الصمت عنوان له

                   أرنو إليه معاتبا متوسلا

مع كل شهر الف الف تحية

        و من اشتياق الروح أزجي وابلا

عطشان كنت و في الجوانح جمرة

          و مع العذاب و كان زرعي ذابلا

فوجدت للقلب المتيم فرحة

            ووجدت للروح الصدية منهلا

فمتى حدود العرب تصبح سهلة

            حتى يعود البدر عندي كاملا

.......

بقلمي . الشاعر . عبد السلام جمعه

في عينيك وطن بقلم الراقية وفاء عبد الحفيظ

 في عينيك وطن


في عينيك أبحر بمجداف القلب

أغوص مطمئنة إلى مدن تحتل الروح

خريطة وطن بين هدبيك

أراها بكل ألوان البشر


في وطني السحب اختارتك

كأنها تناديك إلى واحات وشواطئ

على ضفاف عينيك أحتسي نخبك

حين تسلقت أهدابك 

في رحلة إلى الوطن حيث الخير

يملأ جنبات اليقين، أسرج خيولي تمرح في المروج الخضراء


أنت في صحوة ربوة تفتقت أزاهيرها

حين طافت نسمات الربيع

تهللت القلوب فرحة بمقدمه

تناثرت ألوان الجمال تمعن في استقبل الأطفال

و هم يمرحون وسط الأمهات، التي جمعت الثمار بشتى الأنواع

هنا تباشير بدر يحلق بنوره


بذور فجر ضحوك يعيد ترميم القلوب

عطشى لمجد وأرض 

 عفية صنديدةد تذود بها

لا تطأها أعداء الحق


في عينيك وطن السلام 

يملأ الوجود بالمحبة والوئام

على عتبات تحررت النفوس

من قيود الذل والاستغلال

في عينيك يا حبيبي

وطن يحتوينا وكل القلوب العطشى 

إلى بذرة

نغرسها في أرضنا الحرة الأبية

أنا وأنت

وفاءعبد الحفيظ/ مصر

عودة الغريب بقلم الراقية وسام اسماعيل

 عَوْدَةُ الغَرِيْب


مَا كَانَ عِنْدِي لِلْفِرَاقِ بَقِيَّةٌ

لَكِنَّنِي لَمَّا رَأَيْتُكَ..

قَدْ فُنِيْتْ!

وَوَقَفْتُ أَنْظُرُ فِي مَرَايَا خَيْبَتِي

أَنَا كَيْفَ صَدَّقْتُ السَّرَابَ؟

وَكَيْفَ هِنْتْ؟

يَا أَيُّهَا المَاضِي الَّذِي جَرَّدْتَنِي

مِنْ كُلِّ دِرْعٍ لِلْحِمَايَةِ

وَانْسَحَبْتْ!

أَقْبَلْتَ تَسْأَلُنِي العَفْوَ؟

كَأَنَّنَا..

لَمْ نَبْكِ دَمًا حِينَ اغْتَرَبْتْ؟

تَبْكِي عَلَى أَنْقَاضِ مَا دَمَّرْتَهُ؟

مَنْ ذَا أَعَادَ المَيْتَ حَيًّا؟

لَوْ بَكَيْتْ؟

عَاتَبْتُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ آتِي هُنَا

كَيْفَ احْتَمَلْتُكَ كُلَّ عُمْرِي؟

مَا اكْتَفَيْتْ؟

رَمَّمْتُ قَلْبَكَ حِينَ جِئْتَ مُهَشَّمًا

وَاليَوْمَ تَطْلُبُ أَنْ أُرَمِّمَ..

مَا كَسَرْتْ؟

اِرْحَلْ.. فَمَا عَادَ الأَمَانُ بِدَاخِلِي

أَنَا مُنْذُ أَنْ خَانَتْ عُهُودُكَ

قَدْ كَفَرْتْ..

بِالحُبِّ، بِالأَشْوَاقِ، بِالوَعْدِ الَّذِي

أَفْنَيْتُ فِيهِ العُمْرَ..

حَتَّى لَوْ نَدِمْتْ!

خُذْ ذِكْرَيَاتِكَ وَاعْتِذَارَكَ وَامْضِ عَنْ

دَرْبِي.. فَقَدْ مَاتَ الغَرَامُ

كَمَا أَرَدْتْ!


وسام اسماعيل

العراق

عودة الغريب بقلم الراقية وسام اسماعيل

 عَوْدَةُ الغَرِيْب


مَا كَانَ عِنْدِي لِلْفِرَاقِ بَقِيَّةٌ

لَكِنَّنِي لَمَّا رَأَيْتُكَ..

قَدْ فُنِيْتْ!

وَوَقَفْتُ أَنْظُرُ فِي مَرَايَا خَيْبَتِي

أَنَا كَيْفَ صَدَّقْتُ السَّرَابَ؟

وَكَيْفَ هِنْتْ؟

يَا أَيُّهَا المَاضِي الَّذِي جَرَّدْتَنِي

مِنْ كُلِّ دِرْعٍ لِلْحِمَايَةِ

وَانْسَحَبْتْ!

أَقْبَلْتَ تَسْأَلُنِي العَفْوَ؟

كَأَنَّنَا..

لَمْ نَبْكِ دَمًا حِينَ اغْتَرَبْتْ؟

تَبْكِي عَلَى أَنْقَاضِ مَا دَمَّرْتَهُ؟

مَنْ ذَا أَعَادَ المَيْتَ حَيًّا؟

لَوْ بَكَيْتْ؟

عَاتَبْتُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ آتِي هُنَا

كَيْفَ احْتَمَلْتُكَ كُلَّ عُمْرِي؟

مَا اكْتَفَيْتْ؟

رَمَّمْتُ قَلْبَكَ حِينَ جِئْتَ مُهَشَّمًا

وَاليَوْمَ تَطْلُبُ أَنْ أُرَمِّمَ..

مَا كَسَرْتْ؟

اِرْحَلْ.. فَمَا عَادَ الأَمَانُ بِدَاخِلِي

أَنَا مُنْذُ أَنْ خَانَتْ عُهُودُكَ

قَدْ كَفَرْتْ..

بِالحُبِّ، بِالأَشْوَاقِ، بِالوَعْدِ الَّذِي

أَفْنَيْتُ فِيهِ العُمْرَ..

حَتَّى لَوْ نَدِمْتْ!

خُذْ ذِكْرَيَاتِكَ وَاعْتِذَارَكَ وَامْضِ عَنْ

دَرْبِي.. فَقَدْ مَاتَ الغَرَامُ

كَمَا أَرَدْتْ!


وسام اسماعيل

العراق

هواية شاردة بقلم الراقية زليخة فتحية الذويبي

 (((هواية شاردة)))


هواية من هواياتي 

التنفّس من ثقب الإبر

عتوّ شغفي هو

حبّ ذاتي كما أنا

طبعا أنا بشر

أتجاهل البوح

وللحديث عمر

طويل كالقدر

حين يزورني الخوف

ألملم جنوني كاسّحاب

لعلّى السّماء تملأ قلبي مطر

أشاطر الصّمت في سكونه

لأكسّر طقوس هُبَلْ

جرعة غريبة

 أنهارها راودتني

بين الخيال والهذيان

ليس لها مقر 

 هناك فوق أكوام أطلالي

 قد نام الغياب واستقر


بقلمي زليخة فتحية الذويبي

من تونس