الخميس، 4 يونيو 2026

يتيمة أنا بقلم الراقية عبير ال عبد الله

 يتيمة أنا...

ما أقساها من كلمة،

تسكنني منذ الطفولة،

تتمدد في صدري كجرح قديم،

وترافقني كظل لا يغيب.


أحيانا أتمنى أن أصرخ بها للعالم،

وأحيانا أدفنها في أعماقي

كأسرار لا تحتملها الروح.


أسمع الأطفال ينادون "أبي"،

فأغلق أذني كي لا ينكسر قلبي،

ثم أعود في الليل،

أرسم في أحلامي ملامح أب لا يشيخ،

أب يلاعبني،

يمسح دموعي،

ويكبر معي كما تكبر الأشجار في الربيع.


لكنني كلما فتحت عيني،

أجد الفراغ يحدّق بي،

ويذكرني بأنني وحيدة،

بأن هذه الكلمة ليست لي،

ولن تكون.


هذه الكلمة لا تكسرنا أحيانا...

إنها تكسرنا دوما،

تكسرنا عند كل مناسبة،

عند كل عيد،

عند كل سؤال بريء: أين أبوك؟

فتسقط الإجابة من شفاهي كحجر ثقيل،

وتتبعثر دموعي كأوراق الخريف.


ويكبر معي هذا الشعور،

لأني أحتاج إلى السند الذي حرمت منه،

إلى كتف أضع عليه خوفي،

وإلى عين تراني قبل أن أسقط.


لكن، رغم الوجع،

يصنعني الحرمان إنسانة أخرى،

أرق من الندى،

وأكثر شفافية من الغيم.

عيناي تدمعان حتى من أجل غريب،

وصدري يفيض بالرحمة

حتى لمن لم أعرفهم.


فكذب من قال: "فاقد الشيء لا يعطيه"،

أنا أعطي...

أعطي لأني افتقدت،

أعطي لأني أعرف كيف يميت الفقد،

وأعرف كيف يترك القلب هشا كزجاج مكسور.


أنا أعطي لأني لا أريد أن يرى أحد ما رأيته،

ولا أن يذوق ما ذقته،

ولا أن يحمل هذا الثقل الذي حملته طفلة.


أنا ضوء يتيم،

نور خرج من رحم الحرمان،

لكنه نور دافئ،

يضيء القلوب من حوله،

ويزرع الحنان في الطرقات.


أنا اليتيمة التي جعلت من وجعها حياة،

ومن غيابها حضورا،

ومن حرمانها ضوءا لا يخبو.


بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .