الأربعاء، 3 يونيو 2026

القياس للأسمى بقلم الراقي عمر العلوش

 (القياس للأسمى) 


يقول أهل القانون و التشريع إن القياس هو إلحاق المجهول بالمعلوم لمعرفة حكمه لوحدة العلة . وهذه القاعدة تمتد لتحكم طريقة تفكير الإنسان كلها .

السؤال الذي يطرح نفسه : ما الأصل الذي نقيس عليه ؟

كثير من الناس يقعون في وهم مريح فهم ينظرون إلى من هم دونهم ثم يحكمون على أنفسهم فيرون أنفسهم صالحين لأن غيرهم طالحين ، وكرماء لأن غيرهم أشد بخلاً ومستقيمين لأن غيرهم أكثر انحرافاً . وهذا ليس تقديراً حقيقياً للذات إنما هو خداع للذات ليمنح ذاته شعوراً كاذباً بالرضا .

فالذي يقيس نفسه بالخطأ لن يرى الصواب والذي يقيس نفسه بالقبح لن يدرك الجمال والذي يقيس نفسه بالسوء لن يبلغ الحسن . لأنه جعل نظره إلى الأسفل بينما خُلقت القيم لتدعو الإنسان إلى النظر نحو الأعلى .

في علم القانون لا تُقاس الجريمة بمجرم أشد إجراماً وإلا لأصبح كل مجرم بريئاً إذا وجد من هو أكثر إجراماً فالمجرم حين يقيس نفسه بمن هو أشد إجراماً منه قد يخفف من شعوره بالذنب فيقول: (أنا لم أفعل مثل فلان أو جرمي أقل من جرائم غيري ) . لكن هذا قياس مضلل لأنه يجعل الجريمة معياراً .

والأصل أن يُقاس السلوك بالقانون والفضيلة والاستقامة لا بمن ارتكب جرماً أكبر .

 وكذا في القيم لا تُقاس المروءة بمن فقدوا المروءة وإلا لظن كل صاحب مروءة أنه بلغ الغاية لمجرد وجود من هو أدنى منه . وفي العلم لا يُقاس العالم بالجهال وإلا لتوهم كل من عرف شيئاً أنه أحاط بكل شيء.


لهذا فإن القياس لا يكون على الخطأ إنما على الصواب . ولا يكون على القبيح إنما على الجميل . ولا يكون على السوء بل على الحسن . لأن الخطأ لا يصلح معياراً للحقيقة كما أن القبح لا يصلح معياراً للجمال .

إن الخطأ لا يكمن في القياس نفسه بل في اختيار الأصل الذي يُقاس عليه ولهذا إن للقيم سلماً خاصاً بها فهي لا تُقاس بمن سقطوا بل بمن بلغوا ذروة تلك القيم . فالصدق لا يُقاس بالكذب بل بأصدق الناس . والوفاء لا يُقاس بالغدر إنما بالأوفياء. والمروءة لا تُقاس بالدناءة بل بأهل المروءة . لأن القيم لا تستمد معناها من نقيضها وإنما من أكمل صورة تتحقق فيها.

ومن هنا كان قانون القيم مختلفاً عن كل القوانين لا تنظر إلى من سقطوا لتعرف مكانتك بل انظر إلى من ارتقوا لتعرف منزلتك . فالقيم لا تُقاس بالقاع وبالساقطين وإنما تُقاس بالأسمى .

إن القيم هي معايير ومُثل يُقاس بها الواقع فالصدق يبقى صدقاً ولو قل أهله والعدل يبقى عدلاً ولو ندر وجوده والوفاء يبقى وفاء ولو عز .

لذلك من جعل مقياسه الأعلى ارتفع نحوه ومن جعل مقياسه الأدنى هبط إليه . فالإنسان يتحرك دائماً نحو ما يقيس نفسه به لهذا كانت الحكمة أن يكون القياس إلى القيم العليا .

إن المجرمين والساقطين والناقصين ليسوا معياراً للكمال ولا للقياس . فالساقطين لا يمكن أن يعودوا ليكونوا معيار قياس .

خلاصة القول إن القياس لا يصح على الرذيلة بل القياس يكون على الفضيلة .


✍️ بقلمي:












 عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .