الوعي بين بريق المظهر وعمق الأثر:
في زمن تتصدره الوجوه.
أكاد أجزم أن الكلمة، في زمننا هذا، باتت تحتاج إلى إذن كي تتنفس.
لا أقول هذا تبرماً أو شكوى، بل أقوله تأملاً هادئاً في مفارقة لافتة تشد انتباه كل سائر في دروب الكتابة ومراقب لفضاءاتها المتشعبة.
فمنذ أن أمسكت بالقلم وجدت نفسي أمام معادلة غريبة تتكرر في كثير من الفضاءات الثقافية والمنابر الإعلامية:
يُقال لنا خلف كواليس النشر باستمرار...
اختصر، فالمساحة ضيقة، والقارئ المعاصر لم يعد يحتمل الإطالة، والفكرة إن لم تُقَل في أسطر معدودة أثقلت الأذهان وأرهقت المتلقين.
ولستُ ممن يرفض هذا الرأي جملةً وتفصيلاً، إذ ليس كل طول فضيلة، وليست الإطالة مرادفاً للعمق في كل حال، والتكثيف الواعي حين يُحسن توظيفه يكون أشد تغلغلاً في العقل وأبلغ أثراً في الوجدان.
غير أن سؤالاً يفرض نفسه بجرأة هادئة لا تعلو ولا تصخب:
أين تذهب المساحة التي انتُزعت من الكلمة بحجة الاختصار؟
حين أتأمل المشهد من حولي بعين متأنية، أجد تلك المساحة تمتلئ بما يمكن تسميته فائضاً بصرياً يزدحم بالصور المتكررة، والوجوه التي تتصدر الأغلفة والشاشات والإطارات.
حتى ليُخيَّل للمتابع أن الصورة أصبحت هي الرسالة، وأن الوجه صار هو المعنى، وأن الحضور البصري غدا غاية في ذاته لا وسيلة لخدمة الفكرة وتعميقها.
والمفارقة الصادمة أن الكلمة التي طُلب منها الانكماش والتواري، هي وحدها صاحبة الشرعية الأصيلة في بناء الوعي وصون الذاكرة الإنسانية.
هي وحدها التي تحمل بذور التغيير، وتملك قدرة فريدة على إيقاظ الأسئلة الحرجة، وتدفع الإنسان إلى التأمل وإعادة النظر فيما يظنه يقيناً راسخاً.
أما الصورة، مهما بلغت من الجاذبية والبريق، فإن أثرها غالباً ما يبقى رهين اللحظة الخاطفة التي وُلدت فيها.
إنها تلمع سريعاً في العين ثم تتوارى في شلال الصور المتدفق الذي لا ينافسها إلا في سرعة النسيان.
في المقابل، تملك الكلمة الصادقة خاصية مغايرة تماماً؛ إذ تتجاوز لحظة الاستهلاك البصري العابر لتستقر في عمق الذاكرة وتواصل هندستها الهادئة للعقل والوجدان.
وقد تعيش سنوات طويلة بعد أن تنمحي الصور التي زاحمتها يوماً على مساحات الورق والانتباه.
وحين أكتب هذا لا أدعو إلى إقصاء الصورة أو التقليل من قيمتها الإيحائية، فلكل وسيلة تعبيرية لغتها ووظيتها.
وللصورة قدرتها الخاصة على نقل المشاعر واختصار المسافات حين تكون في خدمة المعنى لا بديلاً عنه.
لكنني أدعو إلى شيء أبسط وأعمق في آنٍ معاً:
أن تُمنح الكلمة حقها الطبيعي في الوجود والمساحة قبل أن تُساق إلى مقصلة الاختصار.
وأن يُقاس الحضور بما يُضيفه من قيمة معرفية لا بما يحققه من رواج عابر.
وأن يكون الوجه الحقيقي لأي منبر ثقافي هو ما يرسّخه في العقول من فكر، لا ما يملأ العيون من بريق زائل.
فالكتابة التأملية الحقيقية لا تُقاس بمسطرة الأسطر، بل بعمق الأثر الذي تتركه في صمت القارئ بعد أن يضع النص جانباً.
والمنبر الثقافي الأصيل لا يُعرَّف بكثرة الصور المتكررة على صفحاته، بل بسعة الآفاق التي يفتحها للفكر كي يتنفس، وللأسئلة كي تنضج، وللأفكار كي تجد طريقها إلى القلوب والعقول.
والأمم في نهاية المطاف لا تُخلَّد بما تعرضه من صور، بل بما تحفظه في صدورها من أفكار.
وبما تنتجه من قيم ومعانٍ، لا بما تكرره من استعراضات بصرية عابرة.
فلنفسح للكلمة مجدها، ولنُعِد للمظاهر حجمها الطبيعي.
كي يبقى الوعي محصّناً بعمق الأثر، لا مبهوراً ببريق المظهر، ولا مسجوناً في هامش يتسع للوجوه ويضيق عن المعنى.
فمن عرف الفرق بين ما يُرى وما يُعاش، امتلك مفتاح نفسه ولم يعد لزهو الآخرين عليه سبيل.
بقلم:
د. محمد شعوفي
07 يونيو 2026م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .