الجمعة، 5 يونيو 2026

تجلي الغياب بقلم الراقي عاشور مرواني

 تَجَلِّي الغِيَاب


هُنَاكَ حَيثُ تَغِيبُ الحُرُوفُ فِي بَيَاضِ النَّفْسِ

وَتُصبِحُ الكَلِمَاتُ ظِلَالًا هَارِبَةً مِن نُورِ المَعنَى

تَقِفُ الرُّوحُ عَارِيَةً

أَمَامَ مِرآةِ الوُجُودِ الأُولَى

بِلَا سِوَاهَا


الكَلَامُ صَدَى صَدَى

يَرتَدُّ بَينَ جُدرَانِ اللُّغَةِ

كَعَصَافِيرَ عَميَاءَ تَصطَدِمُ بِزُجَاجِ المَعنَى

وَتَسقُطُ مَيْتَةً عَلَى عَتَبَاتِ القَلبِ

بِلَا جَنَاح


أَمَّا السُّكُوت

فَلَيسَ فَرَاغًا كَمَا تَظُنُّ

بَل هُوَ الاِمتِلَاءُ الَّذِي لَا يُحتَمَل

حِينَ يَنشَقُّ بَطنُ اللَّيلِ عَن فَجرِهِ المَقلُوبِ

وَتَخرُجُ الأَشجَارُ مِن جُذُورِهَا فِي السَّمَاء


يَا أَيُّهَا المُتَأَلِّمُ فِي صَمتِهِ

لَا تَخَف

فَمَا الأَلَمُ إِلَّا أُذُنٌ ثَالِثَةٌ تَنبُتُ فِي العَظم

تَسمَعُ بِهَا خَشخَشَةَ النُّجُومِ وَهِيَ تَستَدِير

وَهَمسَ الجُذُورِ تَحتَ التُّرَابِ وَهِيَ تَحفِر

وَالعَابِرُونَ وَهُم يَتَوَسَّدُونَ صَمتَ الأَبَدِيَّة


جُرحُكَ لَيسَ عَيبًا

بَل هُوَ شَقُّ النَّايِ الَّذِي بِهِ يَخرُجُ اللَّحن

ضِيقٌ يَفتَحُ مَا لَا يُفتَح

وَبَابٌ خَلفَهُ كُلُّ الأَبوَاب


كُلُّ مَن تَكَلَّمَ كَثِيرًا

فَقَد حَاوَلَ تَملِكَةَ الفَرَاغِ بِالضَّجِيج

بَينَمَا أَنتَ تَجلِسُ القُرُونَ فِي دَقِيقَةٍ وَاحِدَة

مُسنِدًا ظَهرَكَ إِلَى جِذعِ العَدَم

تُشَاهِدُ كَيفَ يَتَفَتَّقُ المَعنَى عَن نَفسِهِ

كَفُطرٍ يَخرُجُ مِن شَقِّ الحَجَرِ الأَزَلِيّ

بِدُونِ صَوت


الحَقِيقَةُ الحَقَّة

لَا تُقَال

بَل تُعَاشُ كَامتِثَالِ النُّورِ فِي المَاء

تَحضُرُ بِغِيَابِك

وَتَتَجَلَّى بِانكِسَارِ المِرآة


مَن أَرَادَ المَعرِفَةَ فَليَصمُت

وَمَن أَرَادَ الصَّمتَ فَليَتَأَلَّم

وَمَن أَرَادَ الأَلَمَ فَليُحِبَّ

فَالحُبُّ هُوَ الصَّمتُ حِينَ يَتَكَلَّمُ أَخِيرًا

بِلُغَةٍ لَيسَ فِيهَا حَرفٌ وَلَا صَوت


فَاسكُت أَيُّهَا الشَّاعِرُ القَدِيمُ كَالمَاء

لِيَسمَعَكَ العُمق

فَمَا ضَاعَ حَقٌّ خَلفَهُ صَمتٌ أَبَدًا

وَإِنَّمَا ضَاعَ مَن قَالَ كَثِيرًا

ثُمَّ لَم يَجِد صَمتَهُ الأَصِيل


اسكُت

فَفِي صَمتِكَ يَندَمِلُ الجُرحُ الأَوَّلُ لِلوُجُود

وَيُولَدُ المَقُدَّسُ فِي قَلبِكَ

طِفلًا

يَتَعَلَّمُ الكَلَام


عاشور مرواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .