الجمعة، 5 يونيو 2026

قرد المنجا بقلم الراقي طاهر عرابي

 «قرد المنجا»


طاهر عرابي


دريسدن – 06.06.2026



يا خيطًا يدخل في ثقب الإبرة،

ويا إبرةً تدخل ثقب زرّ قميصي،

ويا قميصًا يتباكى من قسوة الفكرة،

يُحاك ولا يتذمّر، وأنا أشدّ الزرّ

إلى العروة،

أُسكنه فيها… وأنسى.

كلّهم متفقون على سكينةٍ

تقاضي الضجيج وتربح الصمت.


لمن أتوسّل، والقميص رداءٌ لا يغفر لوخزة؟

سمعته يشتكي على جسدي،

يحملني صخبَ ترفي،

وأنا ألبسه في مظهرٍ

يمنحني العفّة.

يكلح إن طال عمره تحت الشمس،

ويتفتّق الخيط إن شدّه حبل الغسيل هاربًا من ريح،

وهو على جسدي يتردّى.

لستُ مغفرةً تحاكي النسيج، ولا أرى أني مُتَّهَمًا.


وسرى بردُ الغضب في عروقي،

كأن شيئًا ينفصل عني من الداخل،

وانتابني شعورُ أني أترهّل بين جلدي والقميص، كأن المسافة بيننا تتّسع،

فأسندتُ ظهري إلى جذع شجرة…

استوقفني زرّ خرج من العروة.


وفهمتُ أني أصبحتُ فقاعةً تتفلّت من جلدي.

شدّني الجذع، وأمسك بالقميص،

فصرخ القميص:

اجلسْ إلى الشجرة… لكي لا تمزّقنا.

أنا أصير خرقة،

وأنت العاري،

إن صرتَ جسدًا يحمل شرائحي، وأنا أرفرف

كأشرعةٍ تنتحب،

فلن يفهمك الخيط، ولن يحملك الزرّ،

والألوان ستخجل من غضب الريح.


سمع قردٌ نداء القميص،

وهو فوق شجرةٍ يأكل حبّة المنجا.

أنهى تلذّذه ليدخل لذّة أخرى

وجدها في ملامحي الحائرة،

وفي قميصٍ لم يكن يعنيه،

صرتُ لذّةً للقرود؟


كم أخشى أن يعشق قميصي فيسرقه،

أو يمسح به لعابه الصدئ،

ويتركني عاريًا، كأنه يمنحني شهادة صديق.

حمل البذرة، دفنها في التراب،

ومكث يحرسها من منقار غراب،

يتوسّل للمطر، يجمع روث البقر.


قلتُ للقميص: الهجوم أرحم من الدفاع.

ربما نخسر خيطًا يتعلّق به زرّ،

ويظنّ القرد أن عنكبوتًا يتسلّى.

يا قردَ المنجا… أين قميصك؟

لا يسترك شيء… وترضى.

علقتُ هنا بجذع الشجرة،

فكنّي دون أن تقطع خيطًا، وإيّاك أن تعبث بالأزرار.


ضحك القرد وقال:

أأنت من يتجرأ ليشكوني للتفاهة؟

قميصك تجمعه الأزرار ويحمله خيط

من القنّب، والقنّب يحترق إن أبرقت.

ألا تشعر أن القميص إن ضاق عليك

يولد فيك الحيرة والغضب؟

دعه يتمزّق،

وكأنه يودّع ترفًا لم تلحظه مسامات جلدك.


تفتقه من الخلف وتمضي، كأن القميص

لوحة تستر الصدر وتنسى من يراك من الخلف،

وتقنع نفسك أنك كامل

من وجهٍ إلى وجه، والخلف متروك للعجب،

وتراني تافهًا لأنك تشغل نفسك بزرٍّ وعروةٍ وخيط،

أما أنا العاري،

لي حبّة في الأرض، ألا من حقي أن أتلذذ؟


وأنت رحلة قلق، فيك خيوط غرستها الإبر.

لا تحاول خداعي،

الإبرة غرست الخيوط في صدرك،

وأنت سمّيتها قميصًا يخفي دقات القلب الهائم.


أما أنا فزرعتُ وأنتظر لأطعمك،

لتحيا، فمن الخيط لا ينبت شجر.

كفاك هربًا من زرّ يمسك رقبتك

إلى خيطٍ يستر صدرك.


أنا لا أحب الخيوط،

ولا نسيجًا فيه ألوانٌ تبلى،

وتؤلمني الإبرة حتى لو دخلت زرّ القميص

وخرجت بخيطٍ أحمق

يربط نفسه بزرٍّ ليس من وحيه.


التفتَ إليّ كفيلسوفٍ أنهى حوارًا

مع قمرٍ يرافق الشمس: هل تحبّ المنجا.


لم أجب.

كان الجذع يبرد تحت ظهري،

والقميص يهمس بخيطٍ لا أعرفه،

والقرد ينفض التراب عن كفّيه

كأنه يدفن شيئًا آخر غير البذرة.


لم أعد أرى القميص،

ولا الشجرة، ولا القرد.

فقط خيطٌ واحد

يتحرّك في الهواء، معلّقٌ به زرّ

يتشبّث به قرد.

لا أعرف

هل يهرب مني…

أم يدعوني أن ألحق به.

أعطاني القرد بذرةً غرستُها،

وبتُّ ليلي أواسي القميص…

كأن الخيط الأخير

ما زال يبحث عني.


دريسدن – طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .