ما لا تراه العيون
عندما يملك القلب ما لا تراه العيون، نكون أمام نوعٍ آخر من الإدراك؛ إدراكٍ لا تصنعه كثرة المعلومات، ولا تمنحه الشهادات، بل تولده البصيرة التي تسكن أعماق النفس.
فهل البصيرة موهبة يولد بها الإنسان، أم ثمرة صفاءٍ وإيمانٍ يمكن لكل إنسان أن يسعى إليه؟
كثيرًا ما يتيه الإنسان في دروب الحياة، ويستنزف من عمره وجهده ما لا يُحصى، لأنه لم يتعلم قراءة ما وراء الوجوه، ولم يدرك أن الكلمات ليست دائمًا مرآةً لما تخفيه القلوب.
نعيش في زمنٍ أصبحت فيه المظاهر أكثر حضورًا من الحقائق؛ زمنٍ قد ترتدي فيه الكراهية قناع المودة، ويتخفى الحسد خلف عبارات الإعجاب، ويقترب منك البعض لا حبًّا فيك، بل حبًّا فيما يحققونه من خلالك.
ومن هنا تنبع الحاجة إلى البصيرة؛ تلك القدرة الهادئة التي تمنح الإنسان رؤيةً أعمق من ظاهر الأشياء، فتجعله يلتقط الإشارات التي تغيب عن العيون المنشغلة بالمظاهر.
إن عصرنا غارق في المعرفة، لكن المعرفة وحدها لا تكفي. فقد ازدحمت العقول بالمعلومات، بينما بقيت القلوب في حاجة إلى النور الذي يهذب العلم ويوجه صاحبه إلى الحق.
كم من إنسانٍ بلغ أعلى المراتب العلمية، وأتقن أدق التقنيات، لكنه ظل غريبًا عن نفسه، بعيدًا عن ذلك النور الداخلي الذي يمنح الأشياء معناها الحقيقي.
ففي داخل كل إنسان صوتٌ خافت، وإحساسٌ صادق، يهمس له أحيانًا بما تعجز الكلمات عن قوله. ليس سحرًا ولا خيالًا، بل صفاءٌ داخلي يجعل القلب أكثر قدرةً على التمييز بين الصدق والزيف.
وقد أشار إلى ذلك قول النبي ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله».
إنه نورٌ يقذفه الله في القلوب الصادقة، فتغدو الرؤية أوضح، ويصبح الإنسان أقدر على فهم نفسه وفهم من حوله.
فالقلب يشبه نافذةً نطل منها على العالم؛ كلما تراكمت عليها شوائب الأهواء والذنوب ضاقت الرؤية، وكلما صفت واتسعت انعكس النور من خلالها بوضوح أكبر.
ولهذا فإن قوة الإيمان، ونقاء القلب، وصدق الطاعة ليست مجرد معانٍ روحية، بل هي مفاتيح لرؤيةٍ أعمق للحياة والناس.
فالسكينة لا تسكن العيون، بل تسكن القلوب. والبصيرة ليست قدرةً على رؤية الغيب، وإنما قدرة على رؤية الحق حين يختلط بالباطل، ورؤية الجوهر حين تنشغل العيون بالمظاهر.
وكلما ازداد القلب صفاءً، ازداد نصيبه من النور، حتى يرى صاحبه من الحقائق ما لا تراه العيون وحدها.
الكاتبة مونيا بنيو منيرة
@إشارة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .