«رسالة البقاء»
طاهر عرابي
دريسدن - 14.02.2025 | نُقّحت في 27.06.2026
———
كنتُ أسيرُ وحدي على طريقٍ ترابيّ،
في قريةٍ تلدُ مدنًا،
ومدنٌ تحملُ قلوبَ الدول.
ولكلِّ دولةٍ مرآةٌ
تتخفّى فيها بهجتُها
قبل أن يمرَّ بها الغبار.
لم أكن أعرف:
أأنا غريبٌ في انحناءاتِ الأرض،
أم أنَّ الغبارَ
يجرّبُ عليَّ
وحدتَه القديمة؟
حين لمحتُ وردةً تنمو على طرفِ الطريق،
اشتريتُها
بثمنٍ قليلٍ من الماء.
قلتُ لها:
«لا تخافي العطش…
فأنا لا أملكُ سوى أن أُبقيكِ على حافةِ الضوء».
رآني عصفورٌ صغير،
فرفرف كأنَّ السماءَ
تتذكّرُ ضحكتها الأولى.
اقترب منّي وقال:
«لا تجعل العزلةَ بابًا مغلقًا عليك.
الوحدةُ ليست ما يثقل القلب،
بل ما يتركه الناسُ على أبوابه من ظلال.
وردةٌ تنتظر المطر
تعرف صبرها…
فلماذا تتعب نفسك بالأسئلة؟»
فانتعشت الوردة وقالت:
«بيننا وبين الأشياء
مسافةٌ من الحنان.
لا تقطف الثمرةَ وحدك،
اترك للجذرِ نصيبه من الضوء.
وما أقسى أن يملك المرءُ العالم،
ثم يمرُّ عليه بلا ملامسة».
جلستُ بين الوردة والعصفور،
وسكتُّ قليلًا.
تعذّبني الأيامُ وأنا أبتسم،
وتقودني إلى خرائط لا تنتهي،
ثم تتركني واقفًا عند نفسي.
أمضي وألتفتُ من حولي،
فلا خوفَ يشبه الغربة،
ولا سكونَ يشبه أرضًا عادت إلى ظلّها.
ولأنني فلسطينيّ،
تتعلم الغربةُ اسمي
ثم تناديني بمسافاتٍ جديدة.
هل عرفتم الآن من أكون؟
خبّأ العصفور رأسه بين بتلات الوردة،
وقال كأنه يخرج من صدري:
«لن تملك سوى نفسك…
إن استطعت.
سيحاصرونك بالعواصف،
ويتركونك واقفًا
بين ما لم يحدث
وما لن يحدث.
لستَ منهم،
ولن تكون.
يبيعونك للتعب،
ويتركون في يديك مرايا
لا تعكس سوى الغياب».
قلتُ،
والصمتُ أهدأ من صوتي:
«تسقط الكلماتُ أحيانًا من الذاكرة،
وتبقى الأشياءُ بلا أسماء.
لكن ما لم يُهزم بعد
ما زال يعرف طريقه.
نحن لا نختار ما يحدث،
لكننا نختار كيف نمرّ به.
وفي النهاية،
كلُّ شيءٍ يعود إلى مكانه…
الحلمُ يعودُ إلى احتماله،
ونحنُ نعودُ
إلى ما كنّا نظنه بدايةً.
كان وطنًا نحلم به،
فصار طريقةً لنحلم».
غطّت الوردة السماء بعطرها وقالت:
«لا شيء يحتاج إلى ادّعاءٍ كي يكون جميلًا.
يكفي أن تقف الأشياء كما هي
دون أن تشرح نفسها للعالم.
العفّة ليست فكرةً،
بل طريقةُ مرورٍ خفيفةٍ في الحياة.
والشياطينُ…
يكفيها أن تُواجه بنظرةٍ لا ترتبك».
ثم مالت نحوي وقالت:
«ابقَ هنا…
أنت،
وأنا،
وعصفور الحلم.
لا تُثقِل العصافير بالأسئلة،
فهي تعرف طريقها دون شرح.
واترك ما يؤلمك بعيدًا،
فبعض الأشياء تذبل حين تُقال.
وسترى يومًا
أن ما ظننته شقاءً
لم يكن سوى شكلٍ آخر للطيران.
وتلك…
هي رسالة البقاء».
دريسدن — طاهر عرابي