في حضرة الضوء المكسور…
السياسة كقصيدة تبحث عن يقين
في هذا العالم الرقمي
الذي تتشابه فيه الوجوه كما تتشابه الأصوات،
وتتداخل فيه الحقيقة بالوهم كما يتداخل الماء بالسراب،
تبدو السياسة كقصيدةٍ تُكتب على صفحةٍ من ضباب.
لا يعرف قارئها إن كان يقرأ حقيقة تتنفس،
أم زيفًا يتقن فنّ التنكّر.
هنا،
في هذا الفضاء
الذي لا جدران له،
يتواجه حقّ القوة وقوة الحق
كما يتواجه ليلٌ يطول ونهارٌ يبحث عن نافذة.
تتقدّم الجيوش الإلكترونية كأسرابٍ من غبار، تُغرق العيون
بالمعلومات حتى تفقد القدرة على الرؤية،
وتحوّل المواطن إلى مسافرٍ
يحمل خريطة بلا
اتجاه.
حين يصبح
التضليل دولةً من دخان
لم تعد القوة اليوم سيفًا يُشهر،
ولا دبابةً تعبر الحدود، بل سردية تُصنع،
وصوتٌ يُضخّم، وصورةٌ تُقتطع
من سياقها لتصبح
قدرًا سياسيًا.
إنه زمنٌ
تستطيع فيه الكذبة
أن ترتدي ثوب الحقيقة،
وتجلس على عرشها لساعاتٍ أو أيام،
قبل أن يسقط عنها القناع
عند أول نسمة
وعي.
قوة الحق…
ذلك الضوء الذي لا ينطفئ
ورغم هذا الليل الممتد،يبقى للحقّ
قوة لا تُقهر،ىقوة تشبه جذور الشجر:
لا تراها، لكنها تحمل
الغابة كلها.
تظهر في
صحفيٍّ يكتب رغم التهديد،
وفي قاضٍ يرفع ميزانه فوق الضجيج،
وفي مواطنٍ بسيط يرفض أن يشارك
منشورًا مشبوهًا لأنه يعرف أن
الكلمة قد تُنقذ وطنًا
أو تُغرقه.
المعركة الحقيقية…
ليست بين الأحزاب بل بين
الوعي والعمى السياسة اليوم ليست
صراعًا على السلطة فقط، بل صراعًا على
روح الإنسان. على قدرته على التمييز، على حريته
في أن يرى بعينه لا بعين الخوارزمية،
على حقه في أن يفكّر قبل
أن يصدّق.
إن بناء
وعيٍ رقميٍّ ناضج
هو معركة لا تقل قداسة
عن معركة الدفاع عن الأرض.
فالأوطان لا تُحتلّ بالدبابات
فقط، بل تُحتلّ أيضًا حين
تُسرق الحقيقة من
قلوب أهلها.
خاتمة…
في هذا العالم
الذي يزدحم بالضوء
المزيّف، يبقى الحقّ شعلةً صغيرة
لكنها قادرة على أن تهزم
مدينة كاملة من
الظلام.
ويبقى الإنسان
مهما تاه قادرًا على أن
يجد طريقه إذا حمل في داخله
بصيرةً لا تخدعها
الشاشات.
بقلم محمد عمر عثمان كركوكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .