الأربعاء، 24 يونيو 2026

صندوق للتلف بقلم الراقي طاهر عرابي

 «صندوقٌ للتلف»


طاهر عرابي


دريسدن – 14.02.2025 | نُقّحت 24.06.2026



لماذا أغلقتَ الأبوابَ والنوافذ،

وأطفأتَ الأنوار،

وأوقفتَ البرّادَ والمذياع،

وخلعتَ عن يدك الساعةَ،

وفصلتَ الهاتف؟

وارتميتَ على الفراش،

تُحادثُ الصمت،

كأنك خارجُ روحك… لا في حياتك.


سأقول لك،

وأنا شظيّةٌ من روحك:

كم تأخّرتَ عن سماع الأصواتِ القادمةِ من الجهات الأربع،

لا لشيء…

سوى حنينٍ إلى انتماءٍ

ظلَّ ينتظرُك من حولك.


وكنتُ معك،

حين أغلقتَ منافذ الحياة،

وحين غضبتُ منك

ومن صمتك وعزلتك.

كانت النوافذُ تلومني قبل أن تلومك.

لا شيء يريدُ الانفصالَ عنّا… أبدًا.

وأنتَ،

غبارُ نفسك،

تتكوّمُ في خيطِ ضوءٍ

لا يُمسك


ماذا أقول،

وأنا أخشى أن أسمّيك قبوًا بلا هواء،

والأصواتُ واقفةٌ مدهوشة،

تحدّقُ في النوافذِ المغلقة؟

كم بدت حزينةً

وهي تفشلُ في الوصول إلينا.


مهزلةٌ أن تظنّ نفسكَ

صندوقًا محكمَ الإغلاق،

بلا موعدٍ محتومٍ مع التلف.


لا تُقنعني، بسردٍ مرهقٍ

كأنك لسانٌ يولدُ في حنجرة.

فشظيّةُ روحي تعبٌ متراكم،


من بؤسٍ يتكاثر.

أما الوحدة…فهي اتهامٌ

في عيونِ من يبحثون عن الصدفة

بين صخبٍ لا يروق حتى للعصافير.

فأنا أهربُ منها،

حتى حين ترتدي قناع الرضا،

وتتزيّن كملاذٍ أخير


ولكني لن أخرج من هذه المهزلة.

نحن هشّون في الفراغ،

ونتهالك في الظلام،

ونعبر ما وراء الوجود خاسرين،

حيث تصيرُ المعاني الصاخبة

سكينةً باردة.


دعني أتمرد،

وأتزحزح قليلًا عن صلابة يقيني،

فلا وقت للعزلة في الجمود.

ولتَبقَ تلك الأشياء — نافذةٌ، بابٌ، وهاتفٌ —

ولتَبقَ بصمتها،

فهي تحبّ العزلة أكثر منا،

نحن المترددين بين البقاء والفناء.

أعمارُنا

لحظةٌ من سكونِ الحجر

لا يؤرقني شيءٌ

كضياع الإنسان في وحدته.

تجاوزتُ ما انكسر في داخلي،

واخترتُ أن أكون عاشقًا…

فالعشقُ خلاصٌ لا يحتاج اسمًا ولا وجهًا.

فلنتفق على الحب:

هو ذلك الشعورُ الذي لا يمسّه أحد،

هو الوحدةُ في الروح


لا فراغَ يسكنني الآن

ليصفّر في الداخل،

ولا ثغراتٍ يدخل منها الهواء المرتجف.


أنا الصدقُ حين يلامس الحياة،

واليقينُ حين ينجو من الوهم.


بِمَ يطمئنُ العاقلون؟

وأيُّ قبحٍ تسكنه الخطايا

حين تطفو على الأرواح

كدخانٍ عالق،

وكندوبٍ لا تُمحى.

فليذهب الخوفُ والتردد،

إلى حيث لا مصيرَ ولا حساب،

إلى الكهوفِ البعيدةِ تحت الجبال،

حيثُ أنسُ الخفافيش،

وفراشٌ من الطحالب.


أما أنا، فهنا،

في رحاب الحياة،

أتنفّسُ يقيني،

وأتعلّمُ اتساعها…

وحدي أراقبُ من تغيّر وجهه،

ومن بكائه على ضعف البصر.


نحترق مثل الشموع،

ولا نرى الضوء الذي نصنعه،

ولا نتأمل فتيلنا وهو يتناقص،

واثقين أن الحبَّ مباح،

كما الحزن…

كلاهما يمرّ بنا بلا استئذان.


وحين نواجه صورة الانهيار،

نرتجف،

ونفقد القدرة على استعادة يومٍ واحد.


لكنّ الذكريات تبقى…

نستدعيها،

ونعيشها مرارًا،

كأنها أصفى من الرجوع،

وأهدأ من الحزن.


لسنا وحدنا في هذا العالم،

كلّ كائنٍ يتألّم من انهيار الزمن،

لكننا نحن

الأكثر حظًا في حمل الذاكرة.


تذكّرتُ أمي،

وهي تمسك بيدي في أول يومٍ مدرسي…

قربٌ شديد، وبعدٌ لا يُطال.

لم يتغيّر شيء،

سوى أننا لم نعد معًا.


تلك هي مأساة الشموع:

تحترق لتضيء،

ثم تذوب…

وتترك على أطرافها

فراشةً بيضاء،

احترقت وهي تظنّ الضوء خلاصًا.


لم نعد نتذكّر الضوء…

فالضوءُ أكمل رحلته،

ولا ذاكرةَ قادرةٌ على إعادته إلى العيون.

لم يُخلق ليبقى،

بل ليحاصرنا من حولنا،

ونمضي… دون أن نجرؤ على إيقاظه.


دريسدن- طاهر عرابي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .