السبت، 3 يناير 2026

عندما تفكر بالممحاة بقلم الراقي د.عبد الرحيم الشويلي

 قصة قصيرة 

عِنْدَمَا تُفَكِّرُ الْمِمْحَاةُ


قَالَتِ الْمِمْحَاةُ، وَهِيَ تُصْلِحُ يَاقَةَ رَأْسِهَا الرَّمَادِيِّ:

«لَا أَحَدَ يُحِبُّنِي حِينَ أَكُونُ جَدِيدَةً.

يُفَضِّلُونَ الْقَلَمَ… لِأَنَّهُ يُغْرِي.

وَلَكِنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَنِي إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَخْطِئُوا.»

كُنْتُ أُرَاقِبُ الْبَشَرَ مِنْ فَوْقِ أَعْنَاقِهِمْ.

كُلُّ رَأْسٍ مِمْحَاةٌ، وَلَكِنَّ الْقَلِيلَ فَقَطْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَعْمِلُ نَفْسَهُ.

بَعْضُهُمْ يَمْحُو كَثِيرًا حَتَّى يَخْتَفِي،

وَبَعْضُهُمْ يَرْفُضُ الْمَسْحَ، فَيَعِيشُ أَسِيرَ سَطْرٍ وَاحِدٍ خَاطِئٍ.

عَلَّمَتْنِي الْحَيَاةُ ـ وَأَنَا أَحْتَكُّ بِالْوَرَقِ وَالنَّدَمِ ـ

أَنَّ الْخَطَأَ لَيْسَ عَيْبًا،

الْعَيْبُ أَنْ تُقَدِّسَهُ.

أَنَا لَا أَمْحُو الْحَقِيقَةَ،

أَنَا أَمْحُو الْغُرُورَ الَّذِي كَتَبَهَا بِقَلَمٍ أَعْمَى.

أَتْرُكُ أَثَرًا خَفِيفًا…

لِكَيْ يَتَذَكَّرَ صَاحِبُهُ أَنَّ كُلَّ مَسْحٍ حَكِيمٍ

يَتْرُكُ خَدْشًا صَغِيرًا لِلتَّعَلُّمِ.

قَالَ لِي أَحَدُهُمْ غَاضِبًا:

«أَنْتِ تَمْحِينَ ذَاكِرَتِي!»

فَابْتَسَمْتُ وَقُلْتُ:

«بَلْ أُنْقِذُهَا…

الذَّاكِرَةُ الَّتِي لَا تُجِيدُ النِّسْيَانَ

تَتَحَوَّلُ إِلَى حَجَرٍ يُرْجَمُ بِهِ الْمُسْتَقْبَلُ.»

أَنَا لَا أَعْمَلُ ضِدَّ الْقَلَمِ،

نَحْنُ شَرِيكَانِ فِي الْخَطِيئَةِ وَالْخَلَاصِ:

هُوَ يَجْرُؤُ…

وَأَنَا أَتَدَخَّلُ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ الْجُرْأَةُ نَدَمًا مُؤَبَّدًا.

وَفِي اللَّيْلِ، حِينَ يَنَامُ الْجَمِيعُ،

أَمْحُو نَفْسِي قَلِيلًا…

فَحَتَّى الْحِكْمَةُ،

إِذَا لَمْ تُنَاقِصْ نَفْسَهَا،

تَتَحَوَّلُ إِلَى سُلْطَةٍ صَامِتَةٍ

تَكْتُبُ بِالْقَلَمِ مَا تَرْفُضُ أَنْ تَمْحُوهُ....!!.


القاص

د. عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

4. يناير.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .