#العالم_العربي، #العالم_الإسلامي.
📜النَّبضُ "2" – الخَطُّ المُستقيمُ والخُيوطُ📜
وَقفا أمامَ الغِشاءِ الأعظَمِ.
لَم يَكُنْ سَطحًا، ولا حائطًا،
بلْ حدًّا فاصِلًا بينَ ما قيلَ
وما كانَ قبلَ القَولِ.
الهَواءُ ثَقيلٌ،
كأنَّهُ يَحمِلُ أنفاسَ البَشرِ
مُنذُ أوَّلِ سُؤالٍ
حتّى آخِرِ تَبريرٍ.
رَفَعَ سُهيلٌ يَدَهُ بِبُطءٍ،
كَمَن يُزيحُ سِتارًا مِن دُموعٍ قديمةٍ.
لكنَّ يَدَهُ تَوقَّفَتْ في الهَواءِ،
كأنَّهُ رَأى في انعِكاسِ الغِشاءِ
خَيطًا رَماديًّا يَخصُّهُ،
نَسَجَهُ يومًا مِن صَمتِه الطَّويلِ.
فانكَشَفَ خَطٌّ واحِدٌ،
أبيضُ،
مُستقيمٌ،
يَنبُضُ بِنَبضٍ لا يَعرِفُ التَّردُّدَ.
لا يَنحَني لِزَمنٍ،
ولا يُهادِنُ سُلطَةً،
ولا يَتَفرَّعُ لِيُرضي خَوفًا.
كأنَّ الرَّحمةَ نَفسَها
وَجَدَتْ شَكلًا يُمكِنُ رُؤيَتُهُ.
قالَ سُهيلُ بهُدوءٍ:
«هذا هوَ النَّبضُ الأصليُّ.
نَزَلَ رَحمةً…
قبلَ أنْ نُثقِلَهُ بالكَلامِ،
وقَبلَ أنْ نُغطِّي صَفاءَهُ
بِظِلالِ مَخاوفِنا… أنا وأنتِ وهُم.»
اقتَرَبَتْ تَعِزْ،
شَعَرَتْ بِدَفءٍ يَتَسلَّلُ إلى صَدرِها،
كحُضنٍ قديمٍ
تَأخَّرَ كثيرًا.
ثمَّ ظَهَرَتِ الخُيوطُ،
رَماديَّةٌ في مُعظَمِها،
مُتشابِكةٌ،
تَلتَفُّ حَولَ الخَطِّ الأبيضِ
دونَ أنْ تَكونَ مِنهُ.
بَعضُها وُلِدَ مِن خَوفٍ،
بَعضُها مِن حِرصٍ،
وبَعضُها مِن رَغبةٍ خَفيَّةٍ
في السَّيطرةِ باسمِ الحِمايةِ.
وفي المُنتَصَفِ
بَرَزَ خَيطٌ داكِنٌ،
ثَقيلٌ،
يَحمِلُ وَجعًا مُضاعَفًا.
امرأةٌ،
تُخاطَبُ بِنُصوصٍ لَم تُولَدْ لها،
وتُحاصَرُ بِتأويلاتٍ
جَعَلَتِ الخَوفَ فَضيلةً
والصَّمتَ طاعةً.
رَأَتْ تَعِزْ في الخَيطِ
أعيُنًا مُطفَأةً،
وأصواتًا أُسكِتَتْ
قبلَ أنْ تُخطِئَ.
«وهذا؟»
سَألتْ،
وصَوتُها لَم يَكُنْ سُؤالًا،
بلْ مِرآةً.
أجابَ سُهيلُ بعدَ صَمتٍ طَويلٍ،
ونَظرُهُ مُعلَّقٌ بالخَيطِ الداكنِ:
«هذهِ آثارُنا.
مُحاوَلاتُنا لِفَهمِ النُّورِ
دونَ أنْ نَثِقَ بهِ.
وَضَعنا القَوانينَ لِنَحميَ اللهَ مِن البَشرِ،
فَنَسينا أنَّ اللهَ هوَ مَن يَحمينا مِن أنفُسِنا.»
تَحرَّكَ الخَيطُ الداكنُ
مُحاوِلًا الاقتِرابَ مِن الخَطِّ الأبيضِ،
لكنَّهُ كانَ يَرتدُّ،
كأنَّ شيئًا غيرَ مَرئيٍّ يَمنَعُهُ مِن الاندِماجِ.
«النُّورُ لَم يَرفُضْها،» قالَ سُهيلُ،
«نَحنُ مَن وَضَعنا بَينَها وبَينَهُ
طَبقاتِ الغُبارِ.»
ارتَجَفَ الغِشاءُ،
وازدادَ الخَطُّ الأبيضُ وُضوحًا،
لا لِيُحارِبَ الخُيوطَ،
بلْ لِيَكشِفَ الفَرقَ
بَينَ الأصْلِ والظِّلِّ.
وسُمِعَ هَمسٌ،
لَيسَ صَوتًا،
بلْ مَعنىً يَسكُنُ الصَّدرَ:
«لَم أخلُقِ النَّقصَ.
خَلَقَتهُ الأيدي حينَ خافَتْ.
ومَن غَطّى النُّورَ باسمي…
أساءَ إلَيَّ قبلَ أنْ يُسيءَ لِغيرِه.»
انكَمَشَ الخَيطُ الداكنُ بِبُطءٍ،
لا لأنَّهُ أُدينَ،
بلْ لأنَّهُ انكَشَفَ.
شَعَرَتْ تَعِزْ أنَّ شيئًا قديمًا في داخِلِها
تَنفَّسَ أخيرًا ثُمَّ هَدا.
قالتْ بِصَوتٍ واثِقٍ:
«إذَنِ الطَّريقُ
لَيسَ في تَفسيرٍ أقوَى…
بلْ في عَودةٍ أنقَى.»
ابتَسَمَ سُهيلُ،
لَم تَكُنْ ابتِسامةَ انتِصارٍ،
بلْ راحةَ مَن وَجَدَ في الاعتِرافِ خَلاصًا.
«نَعمْ.
فالخَطُّ المُستقيمُ
لَم يَطلُبْ مِنّا أنْ نَحميَهُ…
طَلَبَ فَقَط أنْ نَراهُ كما هوَ.»
– خِتامُ النَّبضُ "2"
حينَ تُميِّزُ الأصْلَ مِن الظِّلِّ،
لا تَحتاجُ إلى هَدمِ الخُيوطِ،
يَكفي أنْ تَترُكَ للنُّورِ
أنْ يَفعَلَ ما يَفعَلُ دائمًا:
يَكشِفُ… ويُشفِي.
---
#الأثوري_محمد عبدالمجيد.. 2026/1/29
#ملحمة_النبض_الأول، #أدب_عربي #فكر_الهام #غيروا_هذا_النظام.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .