الثلاثاء، 27 يناير 2026

عشت كشخص غريب بقلم الراقي عبد الرحيم الشويلي

 «عِشْتُ كَشَخْصٍ غَرِيبٍ أَمَامَ الْجَمِيعِ، وَغَرِيبٍ أَمَامَ نَفْسِي»

— فِرَانْز كَافْكَا


قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ


مَفَاتِيحُ بِلَا أَبْوَابٍ وَقَدَمَانِ بِلَا جَوَارِبَ


لَمْ يَكُنْ غَرِيبًا لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يُشْبِهُ نَفْسَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.

يَسْكُنُ وَحِيدًا فِي شَقَّةٍ ضَيِّقَةٍ، جُدْرَانُهَا مُعَلَّقٌ عَلَيْهَا أَقْفَالٌ صَدِئَةٌ، وَمَفَاتِيحُ بِلَا أَبْوَابٍ. يَجْمَعُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَا لِيَفْتَحَ بِهَا شَيْئًا، بَلْ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَابِلٌ لِلْإِغْلَاقِ. وَحِينَ يَسْأَلُونَهُ عَنْ هِوَايَتِهِ، يَبْتَسِمُ وَيَقُولُ: «الْأَبْوَابُ لَا تَخُونُ، نَحْنُ مَنْ نُخْطِئُ الْمَفَاتِيحَ».

لَا يَرْتَدِي الْجَوَارِبَ. يَقُولُ إِنَّ الْقَدَمَ يَجِبُ أَنْ تَشْعُرَ بِالْأَرْضِ كَيْ لَا تَنْسَى سَبَبَ الْوُقُوفِ. ثِيَابُهُ غَيْرُ مُتَنَاسِقَةِ الْأَلْوَانِ: مِعْطَفٌ بُنِّيٌّ فَوْقَ قَمِيصٍ أَخْضَرَ، وَرَبْطَةُ عُنُقٍ زَرْقَاءُ فَقَدَتْ إِيمَانَهَا بِالْبِدْلَاتِ الرَّسْمِيَّةِ. فِي الشَّارِعِ يَحْدُقُونَ فِيهِ، وَفِي الْعَمَلِ يَهْمِسُونَ: «غَرِيبُ الْأَطْوَارِ». كَانَ يَسْمَعُهُمْ… وَيَتَّفِقُ مَعَهُمْ.

كُلَّ صَبَاحٍ، قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ الْبَيْتَ، يَقِفُ أَمَامَ الْمِرْآةِ طَوِيلًا، لَا لِيُعَدِّلَ مَظْهَرَهُ، بَلْ لِيَتَأَكَّدَ أَنَّ الَّذِي يُحَدِّقُ فِيهِ مَا زَالَ هُوَ. أَحْيَانًا لَا يَقْتَنِعُ، فَيُصَافِحُ صُورَتَهُ اعْتِذَارًا، وَيَمْضِي.

فِي الْمَسَاءِ، يَجْلِسُ إِلَى طَاوِلَتِهِ، يَلْمِسُ الْأَقْفَالَ وَاحِدًا وَاحِدًا، كَمَنْ يَعُدُّ أَصْدِقَاءَهُ. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ مَا الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُغْلِقَهُ تَحْدِيدًا: الْعَالَمَ؟ النَّاسَ؟ نَفْسَهُ؟

فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، قَرَّرَ أَنْ يُجَرِّبَ أَحَدَ الْمَفَاتِيحِ. فَتَحَ بِهِ دُرْجًا قَدِيمًا لَمْ يَفْتَحْهُ مِنْ قَبْلُ. فِي الدَّاخِلِ وَرَقَةٌ صَغِيرَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ مُهْتَزٍّ:

«مُبَارَكٌ… لَقَدْ عَثَرْتَ أَخِيرًا عَلَى الْبَابِ.

وَلَكِنْ لَا تَقْلَقْ، لَا شَيْءَ خَلْفَهُ.»

ضَحِكَ ضِحْكَةً قَصِيرَةً، ثُمَّ أَعَادَ إِغْلَاقَ الدُّرْجِ بِإِحْكَامٍ، وَوَضَعَ الْمِفْتَاحَ فِي جَيْبِهِ.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، خَرَجَ كَمَا هُوَ: بِلَا جَوَارِبَ، وَبِثِيَابٍ لَا تَتَصَالَحُ أَلْوَانُهَا، وَغَرِيبًا…

لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَانَ مُرْتَاحًا،

لِأَنَّهُ تَأَكَّدَ أَنَّ غُرْبَتَهُ—عَلَى الْأَقَلِّ—

مُقْفَلَةٌ مِنَ الدَّاخِلِ...!.


القاص

د.عبد الرحيم الشويلي 

القاهرة

27.يناير.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .