الجمعة، 30 يناير 2026

ملحمة النبض العربي 3 بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 #العالم_العربي #العالم_الإسلامي.

📜– النَّبضُ "3" – بَوّابةُ الاحتمالاتِ📜


لَم يُفتَحِ البابُ هذهِ المرّةِ.  


انحَلَّ.  


كأنَّ الوُجودَ قَرَّرَ أنْ يَتخلّى عن شَكلِه،  

لِيُريَهُما ما كانَ يَحدُثُ دائمًا خَلفَ السِّتارِ.  


تَراجَعَ الغِشاءُ الأعظَمُ،  

لا إلى الخَلفِ،  

بلْ إلى الدّاخلِ.  


وفَجأةً، لَم تَعدْ تَعِزْ تَقِفُ في مَكانٍ،  

ولا سُهيلُ يَعرِفُ أينَ تَنتهي قَدماهُ.  


كانا داخِلَ تَردُّدٍ.  


الفَضاءُ مِن حَولِهما لَيسَ فَراغًا،  

بلْ بَحرًا مِن الاحتمالاتِ:  

مَوجاتٌ تَتراكَبُ،  

صُوَرٌ تَظهَرُ ثُمَّ تَختفي،  

مَصائرُ تُولَدُ وتَموتُ في أقَلَّ مِن نَبضةٍ.  


شَعَرَتْ تَعِزْ أنَّ جَسدَها  

لَم يَعدْ واحِدًا.  


نُسَخٌ مِنها  

تَتراكَبُ فوقَ بَعضِها:  


– تَعِزْ تَسكُتُ،  

فَتَنجو…  

لكنَّها تَذبُلُ بِبُطءٍ.  


– تَعِزْ تَتكلَّمُ،  

فَتُحاصَرُ…  

لكنَّ شيئًا في العالَمِ يَتَنفَّسُ.  


– تَعِزْ لا تَمدُّ يَدَها للصَّدْعِ أبدًا،  

فَتَعيشُ حياةً هادئةً  

لا تُؤلِمُ أحدًا…  

ولا تُنقِذُ أحدًا.  


شَهقَتْ،  

وأَمسَكَتْ بِذِراعِ سُهيلٍ.  


«أَشعُرُ أنَّني…  

لوِ اختَرتُ خَطأً  

سَأقتُلُ عَوالِمَ كامِلةً.»  


لَم يُبعِدْ يَدَهُ،  

تَركَها تَمسِكُهُ،  

كَمَن يَعرِفُ أنَّ الرَّجفةَ  

جُزءٌ مِن الصِّدقِ.  


قالَ بهُدوءٍ بالِغٍ:  

«أنتِ لا تَقتُلينَ العَوالِمَ.  

أنتِ فَقَطْ  

تَجعَلينَ واحِدًا مِنها حَقيقيًّا.»  


أمامَهُما تَشكَّلَتْ بَوّابةٌ،  

تَتفرَّعُ مِنها ثَلاثةُ مَساراتٍ،  

لِكُلِّ مَسارٍ رَنينٌ يَختَرِقُ الوَعيَ:  


المَسارُ الأوَّل – طَريقُ التَّشوّهِ


لُغةُ الغُبارِ والصَّدى.  

خُيوطٌ كَثيفةٌ،  

مُعجَمُها مَليءٌ بالانغِلاقِ:  

«امْنَعْ، احجُبْ، احذَرْ».  


نُصوصٌ مُبتورةٌ تُساقُ كَسياطٍ،  

مَخاوفُ قديمةٌ لُبِسَتْ لِباسَ اليَقينِ،  

وسُلطَةٌ تَتغذّى على الصَّمتِ المُطبَقِ.  


النَّبضُ الأصليُّ مَوجودٌ…  

لكنَّهُ مَخنوقٌ  

تَحتَ رُكامِ الكَلِماتِ  

الّتي لا تَتَنفَّسُ.  


المَسارُ الثّاني – طَريقُ البُرودِ


لُغةُ الخُوارزميّةِ والحِيادِ القاتِلِ.  

اللُّغةُ جافّةٌ، تِقنيّةٌ، حادّةٌ كالمِشرَطِ:  

«تَشفيرٌ، نِظامٌ، تروسٌ، فاعليّةٌ».  


ذَكاءٌ بلا رَحمةٍ،  

أنظِمةٌ عادِلةٌ شَكليًّا،  

لكنْ بلا مَعنى يَسكُنُها.  


لا ظُلمٌ صارِخٌ،  

ولا حُبٌّ حَقيقيٌّ.  


كُلُّ شيءٍ يَعمَلُ بانْتِظامٍ آليٍّ…  

ولا شيءٌ يَحيا.  


المَسارُ الثّالث – طَريقُ التَّوافُقِ


لُغةُ النُّورِ والاتِّزانِ.  

النُّورُ ثابِتٌ،  

واللُّغةُ تَنسابُ كالنَّهرِ: «تَكامُلٌ، فَهمٌ، اتِّساعٌ».  


العِلمُ يَمشِي ويَدُهُ في يَدِ الوَحيِ.  

السُّؤالُ لا يُخيفُ،  

والإيمانُ لا يَهرُبُ.  

المَرأةُ لا تُخفى،  

والرَّجُلُ لا يُضخَّمُ.  

النَّبضُ الأصليُّ يَقودُ دونَ أنْ يَقهَرَ.  


حَدَّقَتْ تَعِزْ طَويلًا.  

«هذا المَسارُ الثّالثُ… هَشٌّ.»  


ابتَسَمَ سُهيلُ ابتِسامةً خَفيفةً.  

«نَعمْ.  

لأنَّهُ يَعتَمِدُ على البَشرِ لا على الشِّعاراتِ.  

على الوَعيِ لا على الخَوفِ.»  


ثمَّ أضافَ بِصَوتٍ أخفَضَ:  

«أيُّ انحِرافٍ صَغيرٍ في الصِّدقِ…  

يُعيدُهُ إلى أحَدِ المَسارَينِ الآخَرينِ.»  


سَكَتا.  

وسَمِعا الهَمسَ.  

لَيسَ صَوتًا هذهِ المرّةِ،  

بلْ إحساسًا مُباشِرًا:  


«أنتُم لَستُم ضَحايا القَدَرِ.  

أنتُم راصِدوهُ.  

والرّاصِدُ…  

يُحوِّلُ الاحتمالَ  

إلى حقيقةٍ.»  


تَنفَّسَتْ تَعِزْ بِعُمقٍ.  


لأوَّلِ مرّةٍ  

لَم تَشعُرْ بِثِقلِ المَسؤوليّةِ  

كعِبءٍ،  

بلْ كأمانةٍ يُمكِنُ حَملُها.  


قالتْ:  

«إذَن لا يَكفي أنْ نَعرِفَ.  

يَجِبُ أنْ نَعيشَ  

كما لو أنَّ اختِيارَنا  

يُغيِّرُ الكَونَ.»  


أومَأَ سُهيلُ.  

«لأنَّهُ يَفعَلُ.»  


بدأتِ البَوّابةُ تَتلاشى،  

لا لأنَّها أُغلِقَتْ،  

بلْ لأنَّ القَرارَ استَقَرَّ.  


لَم يُعلَن،  

لَم يُكتَبْ،  

لكنَّهُ أصبَحَ مُوجةً  

تَتحرَّكُ في اتِّجاهٍ واحِدٍ.  


قَبلَ أنْ يَختَفِي التَّردُّدُ تَمامًا،  

تَركَ أثرًا أخيرًا في الفَضاءِ:  


«المُستَقبَلُ لا يُنتَظَرُ.  

المُستَقبَلُ يُراقَبُ…  

ثُمَّ يُختارُ.»  


وعادا.  

لا إلى مَكانٍ،  

بلْ إلى عُمقٍ جديدٍ  

داخِلَ نَفسَيهِما.  


كانا يَعرِفانِ الآنَ:  

ما بَعدَ هذا  

لَن يَكونَ تَفسيرًا…  

بلْ مُمارَسةً.


– خِتامُ النَّبضُ "3"


حينَ تَفهَمْ أنَّ الاختيارَ  

لَيسَ لَحظةً عابِرةً بلْ مُوجةً مُممملتدَّةً،  

تُدرِكْ أنَّ أَبسَطَ صِدقٍ  

قدْ يَكونُ أَثقَلَ مِن أَلفِ خِطابٍ.  


---

#الأثوري_محمد عبدالمجيد.. 2026/1/30


#ملحمة_النبض_الأول، #أدب_عربي #فكر_الهام #غيروا_هذا_النظام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .