هياكل النور.. وأبجدية الفناء
مُتعدّدٌ في ذاتِهِ.. مُتوحِّدُ
والكونُ في عينيَّ طيفٌ يَرقدُ
أنا نُقطةُ البِدءِ التي تاهتْ بها
سُبُلُ الرؤى، ومن النهايةِ أُولدُ
خلعتُ ثوبَ الطينِ خلفَ مَجرتي
فإذا بروحي في السَّديمِ تُجرَّدُ
لا اسمَ لي إلا الذي محوتهُ
ولا ملامحَ غيرَ ما يتبدَّدُ
يا أيُّها اللاشيءُ.. كيفَ حويتني؟
وأنا المدى، وأنا الزمانُ السَّرمدُ!
أأنا السؤالُ إذا تنفّسَ حيرةً
أمْ كنتُ جوابًا حين ماتَ التردُّدُ؟
ما كانَ «كانَ» وما «سيكونُ» سوى صدىً
في لُجّةِ المعنى يَغيبُ ويَصعدُ
زمنٌ يمرُّ خلالَنا لا حولَنا
فنكونُ مرآهُ… ويَفنى المقصِدُ
كُلُّ ذَرّاتي عُيونٌ تَرقُبُ الغيبَ
تتهجّى الغيبَ… لا تبغيهِ حدّا
وفي دمي أسرارُ بدءٍ أوَّلٍ
لم يُكتَبِ اللوحُ الذي فيهِ بُدِئَا
أيُّها القلمُ الجريحُ.. انزفْ عُلومَ العارفينْ
لا الحكمةَ المُستعارةْ
بل تلكَ التي تُولَدُ
حينَ ينكسرُ المعنى على أضلاعِ ذاتِه
ويخرجُ حيًّا من خسارتِه
نحنُ ما كُنَّا، ولكنْ.. سوفَ نَبقى حائرينْ
لأنَّ اليقينَ إذا اكتملْ
خانَ الطريقْ
ولأنَّ الحيرةَ بابٌ
كلّما اتّسعَتِ الرؤيةُ
ضاقَ المفتاحُ… واتّسعَ الغريقْ
هلْ رأيتَ النورَ يَبكي في مآقي العابدينْ
حينَ أدركوا أنَّ السماءَ
ليستْ فوقَهم
بل في انكسارِ الدمعِ
حينَ يفيضُ القلبُ أكثرَ
مِمّا يحتملُ الجسدُ؟
أمْ رأيتَ الوجدَ نهرًا.. تاهَ فيهِ الظاعنونْ؟
يمشونَ في الماءِ
ولا يبلغونَ الشاطئَ الآخرْ
لأنَّ الشاطئَ وهمٌ
والمسافةَ امتحانُ الروحِ
لا الجسدِ المسافرْ
إنّما الدُّنيا مَجازٌ.. والمعاني في البُطونْ
والذي تَهواهُ روحُكْ
ليسَ تُدرِكُهُ الظنونْ
إنهُ ذاكَ الذي
إذا ظننتَ أنكَ بلغتهُ
أعادكَ طفلًا عندَ أولِ سؤالْ
فالمحوُ إثباتٌ.. وفقدُكَ واجدٌ
والصمتُ إفصاحٌ لِقالبِكَ السنيّْ
كم نطقَ الصمتُ حينَ عجزَ الكلامُ
وكم أضاءَ الغيابُ
ما أطفأهُ التجلّي
سَكَنَ اللاهوتُ فينا.. فمَنِ المُعلَنُ؟
إن لم نكنْ نحنُ
مرآتهُ المؤجَّلةْ
وإن لم يكنِ الإلهُ
ذلكَ القلقَ النبيلَ
الذي يدفعُنا
لنُعيدَ خلقَ أنفسِنا؟
فطِرْ في غابةِ المعنى.. وذُقْ خمرَ الفَنى
لا لتغيبَ
بل لتفيقَ من وهمِ الثباتْ
فالسكرُ وعيٌ آخرْ
والفناءُ بابُ معرفةٍ
لا مقصلةُ ذاتْ
رأيتُ الغيبَ مرآةً.. بها صُورتُنا: «أنا»
لكنّ «أنا»
لم تعدْ تُشيرُ إليَّ
بل إلى ذاكَ الذي يمرُّ خلالي
ثمّ يرحلُ
دونَ أن يتركَ اسمهُ ورائي
تجلّى الحُبُّ في لَوحٍ.. فصارَ الكونُ مَسكَنَا
لا دارَ، لا جهةْ
الحبُّ كانَ هوَ المكانْ
وحينَ أحببنا
سقطتِ الجهاتُ
وتساوتِ الأسماءُ… والألوانْ
فَمَحَا الجِهَاتِ.. لا هُمُ.. لا نَحْنُ.. لا..
سوى أثرٍ
يمشي على قدمِ السؤالْ
وسوى نبضٍ
يقولُ: هنا مررنا
ولم نكنْ نعلمُ أننا كنّا نُحالْ
هِيَ رِقَّةُ الأَوْزَانِ.. تَغْدُو لَحْنًا
حينَ يصدعُ المعنى
ولا ينكسرْ
وحينَ يبكي الإيقاعُ
لا لأنّهُ ضعفَ
بل لأنَّهُ شعرَ… واعتذرْ
رقصتْ حروفي فوقَ جمرِ الحقيقةِ
لا لتنجو
بل لتشهدَ الاحتراقْ
فالحقيقةُ لا تُقالُ باردةً
إمّا تُحترقُ
أو تظلُّ ورقْ
فبكى الإيقاعُ.. ومادتِ الأكوانُ
حينَ أدركتْ
أنَّ الشعرَ ليسَ وصفَها
بل زلزلةُ توازنِها
وسؤالُها المفتوحُ
عن سببِ دورانِها
أنا من رأى في الموتِ ميلادَ الرؤى
لا لأنَّ الموتَ خلاصْ
بل لأنَّهُ حدٌّ
وعندَ الحدودِ
تبدأُ اللغةُ
وتتخلّى الفكرةُ عن صلابتِها
فأنا القتيلُ.. وأنا السِّنانُ!
الجرحُ… واليدُ التي تعلّمَتْ
كيفَ تُصيبُ
وكيفَ تعتذرُ
في اللحظةِ ذاتِها
عُدنا لِجذعِ الصَّمتِ نَغرسُ بَذرةً
لا شجرةَ يقينْ
بل شبهةَ نورْ
يَموتُ فيها الوَزْنُ.. كي يَحيا الصَّدى
ويموتُ الشرحُ
كي ينجو الشعورْ
مدرسةُ الإيقاعِ ليستْ مَرسماً
ولا قانونًا
ولا جدارْ
بل رحلةٌ… فيها يَتَّسِعُ المدى
كلّما ضاقَ الطريقُ
واتّسعَ الانكسارْ
يا قارئَ الأرواحِ.. إنَّ حُر
وفَنا
ليستْ رسائلَ
بل اختباراتْ
نهرٌ تمرَّدَ…
لا يَحدُّ صِداهُ قيدٌ
ولا مدى
ولا نهاياتْ
الشاعر و الأديب عاشور مرواني – الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .