الجمعة، 30 يناير 2026

مقام الذات /أنا البحر /بقلم الراقي د أحمد سلامة

 قصيدة: مَقَامُ الذَّاتِ (أَنَا البَحْرُ ) قطرةٌ تسكنُها المحيطات

بقلم: أ. د. أحمد عبد الخالق سلامة

مؤسس المشروع العربي لأدب الرياضيات ( الرياضيات الأدبية )

أستاذ الرياضيات وعلوم الحاسب

كاتبٌ يرى أنّ الكلمة يمكن أن تكون معادلة، وأن المعادلة قد تكون أجمل حين تُكتب بروح شاعر وأديب .

 

فَلْسَفَةُ الِاحْتِواءِ بَيْنَ القَطْرَةِ وَالبَحْرِ

فِي عَالَمِ الرِّيَاضِيَّاتِ، نَتَعَلَّمُ أَنَّ المَجْمُوعَةَ قَدْ تَحْتَوِي ذَاتَهَا، وَأَنَّ النُّقْطَةَ رَغْمَ صِغَرِهَا هِيَ أَصْلُ كُلِّ خَطٍّ مُسْتَقِيمٍ يَؤُولُ إِلَى المَالَانِهَايَة. وَهَكَذَا هِيَ الرُّوحُ الإِنْسَانِيَّةُ حِينَ تَنْعَتِقُ مِنْ قُيُودِ المَادَّة؛ لَا تَعُودُ مُجَرَّدَ رَقَمٍ فِي تَعْدَادِ الخَلْقِ، بَلْ تُصْبِحُ هِيَ المَرْكَزَ وَالمُحِيطَ.

هَذِهِ الأَبْيَاتُ لَيْسَتْ فخراً بِالذَّاتِ الضَّيِّقَة، بَلْ هِيَ 'بُرْهَانٌ وُجُودِيٌّ' عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ بَحْراً مِنَ الطَّاقَةِ وَاليَقِينِ، مَهْمَا حَاوَلَتْ ظُرُوفُ الحَيَاةِ قِسْمَتَهُ أَوْ تَصْفِيرَهُ. إِنَّهَا صَرْخَةُ المَعْنَى فِي وَجْهِ العَدَمِ، وَإِعْلَانُ الحَقِيقَةِ التِي تَقُولُ: إِنَّ القَطْرَةَ التِي تَحْتَقِرُونَهَا.. هِيَ فِي جَوْهَرِهَا بَحْرٌ يَمُورُ بِالثَّوْرَةِ وَالإِيمَان.

 

إِنَّنِي لَا أُعَرِّفُ نَفْسِي كَجُزْءٍ سَاكِنٍ فِي فَرَاغ، بَلْ كَكِيَانٍ دِينَامِيكِيٍّ يَتَفَجَّرُ بِالرُّؤَى. هُنَا، تَلْتَقِي (نُقْطَةُ) البِدَايَةِ بِـ (مَالَانِهَايَةِ) الرُّوحِ، لِيُعْلِنَ القَلْبُ أَنَّهُ لَيْسَ ظِلّاً لِأَحَد، بَلْ هُوَ المَصْدَرُ وَالبُرْهَانُ.

 

 

 

القصيدة:

 

أَنَا لَسْتُ قَطْرَةً فِي البَحْرِ مُنْغَمِراً

بَلْ بَحْرُ ذَاتِيَ فِي أَعْمَاقِهَا انْفَجَرَا

أَنَا المَدَى، وَأَنَا الآفَاقُ مُنْفَتِحٌ

أَنَا الَّذِي فِي ضَمِيرِ الكَوْنِ قَدْ حَضَرَا

أَنَا السُّؤَالُ الَّذِي فِي الصَّمْتِ مُنْكَسِرٌ

أَنَا الجَوَابُ إِذَا مَا الرُّوحُ قَدْ سَفَرَا

أَنَا النَّوَاةُ الَّتِي فِي القَلْبِ مُشْتَعِلَةٌ

تُضِيءُ دَرْبَ الَّذِي فِي التِّيهِ قَدْ حَيَرَا

أَنَا الحَقِيقَةُ فِي مِرْآةِ ذَاكِرَةٍ

أَنَا الخَيَالُ إِذَا مَا الحُلْمُ قَدْ عَبَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا ضَاقَتْ بِيَ الدُّهُرُ

مَدَدْتُ رُوحِيَ نَحْوَ اللهِ مُعْتَذِرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أَغْرَانِيَ المَطَرُ

رَأَيْتُ وَجْهِيَ فِي قَطَرَاتِهِ انْهَمَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا نَادَانِيَ القَدَرُ

قُلْتُ: أَنَا البَحْرُ، لَا أَخْشَى الَّذِي جَفَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أَطْفَأَتْنِيَ الحُفَرُ

أَوْقَدْتُ ذَاتِيَ مِنْ نَارٍ بِهَا الزَّهَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أَوْجَعَتْنِيَ السُّوَرُ

قَرَأْتُ نَفْسِيَ فِي آيَاتِهَا سَطَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْلِقَتْ مَطَرُ

فَتَحْتُ بَابِيَ مِنْ رُوحِيَ وَانْفَجَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُطْفِئَتِ القِمَرُ

أَشْعَلْتُ قَلْبِيَ فِي لَيْلِ الأَسَى قَمَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُنْهِكَتِ العُصَرُ

صَبَرْتُ صَبْراً يُدَاوِي الجُرْحَ مُنْتَصِرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْقِطَتِ العُذُرُ

نَهَضْتُ وَحْدِيَ لَا أَرْجُو الَّذِي اعْتَذَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْرِقَتِ الفِكَرُ

سَبَحْتُ فِيهَا كَأَنِّي نَفْسُهَا الغَجَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْكِتَتِ السُّوَرُ

أَنْشَدْتُ شِعْرِيَ فِي مِحْرَابِهَا سُطَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْقِطَتِ العُبَرُ

جَمَعْتُ دَمْعِيَ فِي كَفِّيَ وَانْفَجَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْلِقَتْ السُّوَرُ

فَتَحْتُ قَلْبِيَ لِلْمَعْنَى الَّذِي سَطَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْكِتَتِ القُدَرُ

نَطَقْتُ ذَاتِيَ بِالإِيمَانِ مُنْتَصِرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْرِقَتِ العُبَرُ

رَأَيْتُ وَجْهِيَ فِي مِرْآتِهَا انْكَسَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْكِتَتِ القُدَرُ

أَعْلَنْتُ أَنِّيَ بَحْرٌ فِي دَمِي انْفَجَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْرِقَتِ العُبَرُ

كَتَبْتُ شِعْرِيَ مِنْ وَجَعِيَ مُسْتَجِرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُسْكِتَتِ القُدَرُ

أَعْلَنْتُ أَنِّيَ بَحْرٌ فِي قَطْرَةٍ سَطَرَا

أَنَا الَّذِي كُلَّمَا أُغْرِقَتِ العُبَرُ

رَأَيْتُ ذَاتِيَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ قُدَرَا




قصة قصيرة: مَالانِهَايَةُ القَطْرَة

)مِن وحي قصيدة: أَنَا البَحْرُ(

)رُؤيَةٌ وُجُودِيَّة بَيْن صَرِامَة الرَّقَم وَتَحَرُّر القصِيدَة(

المَشْهَدُ الأَوَّل: انْكِسَارُ الضَّوْءِ عَلَى سَطْحِ المَادَّة

كَانَ البُرُوفِيسُور أَحْمَد يَقِفُ أَمَامَ سَبُّورَتِهِ الكَبِيرَة، يُرَاقِبُ مُعَادَلَةً مُعَقَّدَةً تُمَثِّلُ دِينَامِيكَا السَّوَائِل. كَانَتِ الأَرْقَامُ تَتَزَاحَمُ فِي ذِهْنِهِ كَأَنَّهَا جُزَيْئَاتُ مَاءٍ تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ مِنْ حَيِّزٍ ضَيِّق. نَظَرَ إِلَى قَطْرَةِ حِبْرٍ سَقَطَتْ سَهْواً عَلَى الهَامِش؛ كَانَتْ تَبْدُو ضَئِيلَةً، وَحِيدَةً، وَمَحْكُومَةً بِقَوَانِينِ الجَاذِبِيَّةِ وَالتَّوَتُّرِ السَّطْحِيّ.

قَالَ لَهُ زَمِيلُهُ المُرَابِطُ عِنْدَ حُدُودِ المَادَّة: أَرَأَيْتَ يَا بُرُوفِيسُور؟ نَحْنُ مِثْلُ هَذِهِ القَطْرَة، لَا قِيمَةَ لَنَا فِي مُحِيطِ هَذَا الوُجُودِ الشَّاسِع، مُجَرَّدُ كُسُورٍ عَشْرِيَّةٍ فِي مَصْفُوفَةِ القَدَر، نَنْغَمِرُ فِي البَحْرِ فَنَضِيع.

ابْتَسَمَ أَحْمَد ابْتِسَامَةً لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ رَدِّ فِعْل، بَلْ كَانَتْ انْفِجَاراً دَاخِلِيّاً مِنَ اليَقِين. التَقَطَ قَلَمَهُ، وَبَدَلاً مِنْ إِكْمَالِ الحَلِّ الحِسَابِيّ، رَسَمَ دَائِرَةً تَحْتَوِي تِلْكَ القَطْرَةَ وَقَالَ بِصَوْتٍ يَفِيضُ ثَبَاتاً: أَنْتَ تَرَاهَا قَطْرَةً مُنْغَمِرَة، وَأَنَا أَرَاهَا بَحْراً مُنْفَرِداً.

المَشْهَدُ الثَّانِي: حِوَارُ النُّقْطَةِ وَالفَضَاء

فِي تِلْكَ اللَّحْظَة، انْشَقَّ الوَعْيُ إِلَى نِصْفَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي حِوَارٍ مَهِيب؛ بَيْنَ الرِّيَاضِيِّ بِصَرَامَتِهِ المَنْطِقِيَّة، وَ الأَدِيبِ بِشَجَنِهِ الفَلْسَفِيّ:

الرِّيَاضِيُّ (بِحِدَّة ( يَا أَحْمَد، لِمَاذَا تُبَالِغُ؟ هَذِهِ القَطْرَةُ لَهَا حَجْمٌ مَعْلُومٌ ، وَكَثَافَةٌ مُحَدَّدَةٌ هِيَ جُزْءٌ ضَئِيلٌ مِنْ نِظَامٍ أَكْبَر، إِذَا انْغَمَرَتْ تَلَاشَتْ قِيمَتُهَا الفَرْدِيَّة. الجُزْءُ يَبْقَى دَائِماً أَصْغَرَ مِنَ الكُلِّ!

الأَدِيبُ (بِيَقِين ( لَكِنَّكَ نَسِيْتَ أَنَّ هَذِهِ القَطْرَةَ تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا 'شِفْرَةَ' البَحْرِ بِأَكْمَلِه. إِنَّهَا لَيْسَتْ كَسْراً مُهْمَلاً، بَلْ 'مُبْتَدَأٌ' لِقَصِيدَةٍ لَا تَنْتَهِي. إِذَا كَانَ حَجْمُهَا الفِيزْيَائِيُّ مَحْدُوداً، فَفَضَاؤُهَا الوُجْدَانِيُّ هُوَ المَالَانِهَايَة.

الرِّيَاضِيُّ (مُحْتَجّاً ( وَلَكِنَّ الوَاقِعَ 'مَصْفُوفَةُ' ضُغُوط، وَمَكَانَ العَمَلِ 'مُعَادَلَةٌ' لَا تَعْتَرِفُ إِلَّا بِالنَّتَائِج. كَيْفَ تَكُونُ بَحْراً وَأَنْتَ مَحْصُورٌ بَيْنَ جُدْرَانٍ تُحَاوِلُ تَصْفِيرَ قِيمَتِكَ؟

الأَدِيبُ (بِشُمُوخ ( هُنَا سِرُّ 'أَدَبِ الرِّيَاضِيَّاتِ'! الجُدْرَانُ لَيْسَتْ إِلَّا 'أَقْوَاساً' فِي مُعَادَلَةِ حَيَاتِي، وَأَنَا مَنْ يَضَعُ 'المُعَامِلَاتِ' بِدَاخِلِهَا. أَنَا لَسْتُ مُتَغَيِّراً تَابِعاً لِأَهْوَائِهِم، بَلْ أَنَا 'الثَّابِتُ' الذِي يَسْتَمِدُّ قِيمَتَهُ مِنَ الـمُطْلَق.

المَشْهَدُ الثَّالِث: تَرْبِيعُ المَعْنَى

انْصَهَرَ الشَّطْرَانِ فِي صَرْخَةٍ وَاحِدَة: أَنَا لَسْتُ قَطْرَةً.. أَنَا المَدَى.

خَرَجَ إِلَى الشُّرْفَةِ وَالمَطَرُ يَغْسِلُ وَجْهَ المَدِينَة، نَظَرَ إِلَى انْعِكَاسِهِ فِي القَطَرَاتِ المُتَسَاقِطَة، فَلَمْ يَرَ وَجْهاً أَنْهَكَتْهُ الخُوَارِزْمِيَّات، بَلْ رَأَى أَلْفَ حَقِيْقَةٍ تَتَجَلَّى. أَدْرَكَ أَنَّ الحَقِيْقَةَ لَيْسَتْ فِي الأَرْقَامِ الجَامِدَة، بَلْ فِي الوَعْيِ الذِي يُحَوِّلُ الرَّمْزَ إِلَى حَيَاة.

عَادَ إِلَى مَكْتَبِهِ، وَبَدَلاً مِنْ كِتَابَةِ تَقْرِيرٍ رُوتِينِيّ، سَطَّرَ بَيَانَهُ الوجودِيَّ العَظِيم:

أَنَا لَسْتُ قَطْرَةً فِي البَحْرِ مُنْغَمِراً.. بَلْ بَحْرُ ذَاتِيَ فِي أَعْمَاقِهَا انْفَجَرَا

لَقَدْ أَيْقَنَ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المُعَامِلُ الوَحِيدُ الذِي يُحَوِّلُ الانْكِسَارَ إِلَى انْتِصَار، وَأَنَّ الرُّوحَ إِذَا مَا سَفَرَتْ، أَصْبَحَتْ هِيَ السُّؤَا

لَ وَالجَوَاب، المَرْكَزَ وَالمُحِيط، فِي مِحْرَابِ يَقِينٍ لَا يَعْرِفُ الصِّفْر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .