الثلاثاء، 27 يناير 2026

مدار الحق بقلم الراقي عاشور مرواني

 مَدارُ الحَقِّ في قَبْضَةِ الأَزَل

خلعتُ نعالي في مقامِ الذهولِ،

وتشظّى عقلي في صراطِ الوصولِ.

مشيتُ، وخلفي كلُّ نجمٍ ومجرةٍ،

ركامُ فناءٍ، وخطوي بغيرِ عقولِ.

أأنا الظلُّ؟ أم هذا الرداءُ حقيقةٌ؟

أم الكونُ نفخةُ غيبٍ في مدايَ الطويلِ؟

تبارك مَن صاغَ الزمانَ بنظرةٍ،

فأساله نهرًا في يدِ المجهولِ.

يُقدِّره المولى، فيغدو عقاربًا،

تعضُّ أعناقَ المدى، وتصولُ.

يسيرُ بأمرِ الله في كلِّ ذرّةٍ،

ويُطوى كثوبٍ في غدٍ مستحيلِ.

فلا الوقتُ وقتٌ حين تبدو صفاتُهُ،

ولا الفصلُ فصلٌ في مقامِ الحلولِ.

رأيتُ جدارَ الكونِ ينهارُ حيرةً،

وتِرسُ المجرّاتِ العظامِ يميلُ.

هي الساعةُ الكبرى، وهذا مسيرُها،

متاهٌ، وظلُّ المنتهى يستطيلُ.

أتزعمُ أنَّ الحُسنَ يُحصى بدقّةٍ؟

وعدُّكَ في عينِ الوجودِ ذهولُ.

فمَن قدَّر الأفلاكَ تمضي لفنائها،

هو اللهُ، لا وهمٌ ولا تعليلُ.

تنفّستُ عن أيّامي حتى تكسَّرتْ

قواريرُ عمري، والزمانُ ذليلُ.

نفضتُ غبارَ الكائناتِ عن العباءِ،

فتهدّمتْ عروشٌ، وغاب الدليلُ.

هنا اليأسُ إيمانٌ، وهنا الموتُ يقظةٌ،

وهنا العقلُ يفنى، وهنا المعقولُ.

أنا لستُ إلا نقطةً في كتابِه،

طواها البدءُ، وانتفى المسؤولُ.

أيا قبضةَ الأقدارِ، هاتي مصائري،

فكلُّ وجودي في الإلهِ نزولُ.

أراهُ في نبضِ الثواني وسكونِها،

وفي العدمِ الطاغي… فهل أزولُ؟

بلى، قدَّر المولى مسيري فخضتُهُ،

فلستُ أنا الساعي، بل المحمولُ.

خذوا جسدي، خذوا الزمانَ، وهبْ لي

مشاهدةً تفنى بها التأويلُ.

أين الهويةُ حين يتلاشى الوعي؟

وأين القلبُ حين يصيرُ النبضُ سؤالًا؟

وأين الذاتُ حين يغدو العدمُ مأوى؟

كلُّ لحظةٍ مرّتْ… كانت امتحانًا،

ومسافةً بين وهمِ الرغبةِ وحقيقةِ الفناء.

ألا ترى أن النفسَ خُلقت لتسأل،

وأن الوجودَ أقامها بين السرِّ والظاهر،

بين الحيرةِ واليقين،

بين الألمِ والانسجام،

حتى تغدو كلُّ تجربةٍ مرآةً

تعكس وجهَ الإله في أعمق خلجاتها.

فاعلم، أيها السائرُ في الصمت،

أن الغيابَ أحيانًا حضورٌ أعمق،

وأن المجهولَ ليس عدوًا، بل مرشدًا

في دربٍ لا يُدرك

إلا بالرحيل عن الذات،

والاستسلام لمشيئة من خلق كلَّ شيء.

فليكن كلُّ نبضٍ وسكونٍ،

ألمٌ أو فرحٌ، إيقاظًا للحقيقة،

لتدرك أن كلَّ خسارةٍ ووجدٍ،

وكلَّ فراغٍ وصمتٍ،

ما هو إلا انعكاسٌ للإشراقِ الإلهي

في أعماق النفس التي لا تنتهي.

في صمتِ الليل، أسمعُ رنينَ الروح،

وصرخةَ الماضي الحائرِ بين أطيافِ الدهور.

أرى نفسي طيفًا بين القفرِ والسماء،

أفتّش عن نورٍ يضيء العدمَ في داخلي.

أين البدايةُ؟ وأين النهايةُ؟

وهل الوجودُ سوى سفرٍ في اللانهاية؟

كلُّ فكرٍ يولد في العقلِ نارًا،

وكلُّ شعورٍ ينسج لي خيوطَ القدر.

ألمٌ يعقبه فرحٌ، وفرحٌ يعقبه صمتٌ،

والنفسُ تمضي بين الرفضِ والقبول.

كلُّ شيءٍ يمرُّ، وكلُّ لحظةٍ تُسأل،

وكلُّ دربٍ يقودني إلى ما وراءَ ما يُرى.

الموتُ ليس نهايةً، بل عبورٌ آخر،

والحياةُ مرآةُ الحقيقةِ الخفيّة.

وكلُّ نفسٍ تبحث عن مطلقها،

حتى تصير عينًا ترى الله في كلِّ شيء،

في نبضِ الريح، في حفيفِ الأوراق،

وفي الصمتِ الذي يطوّق الخلق.

فلأستسلمْ… فلستُ سوى محمولٍ،

والقدرُ يخطُّ خطايَ صعودًا وهبوطًا.

خذوا جسدي وروحي، أيتها السنين،

ودعوا قلبي يرفلُ في أفقِ الحق.

ففي كلِّ غروبٍ وشروقٍ،

أرى العلامةَ، وأسمعُ النداء،

وأعلم أن كلَّ شيءٍ بإرادةِ الله،

وأن النفسَ التي تسأل لا تُهزم…

بل تُضيء في العتمة،

وتسير بلا خوف،

وتدرك أن الوجودَ

 كلَّه

هو مَدارُ الحَقِّ في قَبْضَةِ الأَزَل.


الشاعر و الأديب عاشور مرواني 

 الجزائر 🇩🇿

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .