السبت، 2 مايو 2026

هكذا الغرب يحضر بقلم الراقي عمر بلقاضي

 هكذا الغَرْبُ يُحَضِّرْ


عمر بلقاضي / الجزائر


***


يزعم الاستكبار الغربي انّه إنّما يتدخّل في الشّعوب من اجل إخراجها من التّوحش والتّخلف ونقلها إلى الحضارة والرّقي، وهذه القصيدة تبيّن بعض الأساليب الحضارية التي مارسها الغرب على الشّعوب من اجل ذلك، كالهنود الحمر الذين دُمِّروا وأُبيدوا، والسُّود الأفارقة الذين خطفوا واستعبدوا، وشعب الفيتنام الذي شوي بالنَّبالم، وأهل البوسنة الذين فُرض عليهم العار والدَّمار وتهريب الصِّغار، والعراق الذي يئن تحت وطأة الشّقاء والشّقاق، وتدني القيم والأخلاق، وتسلّط الخونة والفُسَّاق وليبيا التي تقطع فيها الاعناق وتنهب منها الارزاق...... وهكذا الغرب يحضر


أمَّة الدِّين الحنيفْ


منبعَ النَّسلِ الشَّريفْ


قبلةَ العقلِ الحَصيفْ


أنذر الله وأعْذَرْ


ليس بالغرب تَحَضُّرْ


***


أَمَعَ القرآن نُخدع؟


لنفاقِ الغربِ نخضَعْ


في هوانِ الذُّلِّ نقبَعْ


حَصْحَصَ الحقُّ.. لِنحذَرْ


ليس بالغرب تَحضُّرْ


***


اسألوا جنسَ الهنودْ


أو بني صُفْرٍ وسودْ


عن أذى عِيرِ اليهودْ


كيف يؤذي ويُدمِّرْ


هكذا الغرب يُحضِّرْ


***


واسألوا الفيتنام هيًّا


عن جيوشٍ همجيَّةْ


تُحرق الإنسانَ حَيَّا


تشتهي الإنسَ المُحَمَّرْ


هكذا الغربُ يُحَضِّرْ


***


واسألوا البُسْنِيَ أيضاً


عن عدوٍّ غالَ عِرضاً


قد سَبَا نَشئًا وأرضاَ


سَلخَ النَّاس وعَفَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


واسألوا من قد أقاموا


في جحيمِ غوانتنامو


كيف عانوْا كيف ناموا


قد غَدَوْا جرذانَ مَخْبَرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


واسألوا شعبَ العراقْ


عن شقاءٍ لا يُطاقْ


وانحلالٍ وشقاقْ


فوق أرضِ المجد يُبذَرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


واسألوا فيه الشَّبابْ


عن هوانٍ وعذابْ


وافتِرَاسٍ من كلابْ


ثمَّ أعضاءَ تُبَتَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


يَدَّعي نَشرَ الحضارةْ


بدمارٍ ودعارةْ


وشَواذٍ وسُكارى


وأكاذيبَ تُنَشَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وانتهاكٍ للمصاحفْ


ورشاوى للصحائفْ


وابتزازٍ للمتاحفْ


ومزاراتٍ تُفجَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وبنَبْشٍ للمقابرْ


واغتصابٍ للحرائرْ


واغتيالٍ ومجازرْ


وانقلاباتٍ تُسَطَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وبتشريدِ الألوفْ


وبإرغامِ الأنوفْ


وانشقاقٍ في الصُّفوفْ


بخصوماتٍ تُدبَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وبطَمْسٍ للأصالةْ


وانتكاسٍ للعدالةْ


وبتسويدِ الحُثالةْ


بانتخاباتٍ تُزوَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وبطعنٍ في الرَّسولْ


وبجهلٍ في العقولْ


وسمومٍ في الحقولْ


وجراثيمَ تُصدَّرْ


هكذا الغربُ يُحضِّرْ


***


وبنشرٍ للفسادْ


وبنهبٍ للبلادْ


وامتهانٍ للعبادْ


إن تبعنا الغربَ نُدْحَرْ


ليس بالغربِ تَحَضُّرْ


***


نبَّه اللهُ وحذَّرْ


فاقرأ القرآنَ واذكُرْ


أنَّهم إن يثقفونا


يمعنوا في السُّوء أكثرْ


يمعنوا في البطشِ حتَّى


نتركِ الدِّين ونكفرْ


فادفعِ العدوانَ واصبِرْ


والزِمِ القرآنَ تُنصَرْ


ولْتَثِقْ مهما تَعالَوْا


واعتدَوْا فاللهُ أكبرْ


الله أكبرْ الله أكبرْ

المناجاة بقلم الراقي سعيد داود

 ✿ المناجاة ✿


سيعلو الأذانُ… ويصفو المكانْ

ويشرقُ فجرٌ على كلِّ آنْ

ويا مسجدِي أنتَ نبضُ القلوبْ

وفيكَ السكينةُ… فيكَ الأمانْ


إلهي إليكَ رفعتُ الدعاءْ

فليسَ لقلبي سِواكَ رجاءْ


تمضي بنا الدهرُ دونَ اختيارْ

ونمضي… وتبقى لنا في السماءْ

وشوقي إليكَ لهيبٌ دفينْ

يُنادي رضاكَ صباحَ مساءْ


جفَّت دموعي… وطالَ الأسى

وقلبي بذكرك حيٌّ مضاءْ

إذا ضاق صدري… وضاقت سُبُلي

وجدتُ ببابكَ أوسعَ رجاءْ


إلهي إليكَ رفعتُ الدعاءْ

فليسَ لقلبي سِواكَ رجاءْ


ما بين موتي وبين المَولدِ

مسيرٌ قصيرٌ… وأنتَ البقاءْ

وروحي تهيمُ بطيفِ الرضا

وترجو لُقياكَ خيرَ الجزاءْ


فإن مسَّ قلبي لهيبُ الحنينْ

ذكرتُ بأنكَ نِعمَ العطاءْ

وأنَّ الخلائقَ مهما علتْ

ستسجدُ يومًا لربِّ السماءْ


إلهي إليكَ رجوعي غدًا

وأنت البدايةُ… أنتَ الرجاءْ


✍️ سعيد داود

يوم العمال بقلم الراقي عبد الرحيم العسال

 يوم العمال

=======

لعمال البلاد أقول مرحا

أيا يوما أطل على الوجود

فيسعد فيه أفئدة وأيدي

و نلقى في الشوارع بالورود

نشد على أيادي القوم فرحا

ونهتف يا جباه العز سودي

فمايو جاء في فرح يغني

ويرقص رافعا حلو البنود

فيا عمال أوطاني فهيا

نشيد للمباني والسدود

ونزرع أرضنا قمحا وأرزا

ونفعل مثلما فعلوا جدودي

فنجعل في البلاد كثير خير

ويكتب فعلنا سفر الخلود

فحيا الله جندك يا بلادي

وفلاحا وصانع ذي وعود

وآتي كل عام كي أهني

وأرفع راية في كل عيد

لعمال البلاد أروح أشدو

وأكتب فيهم حلو القصيد


(عبدالرحيم العسال مصر سوهاج أخميم)

غسق المغزل وترنيمة السدى بقلم الراقية ماري العميري

 غَسَقُ المِغْزَلِ.. وتَرنيمةُ السَّدَى


بَيْنَما أَنا غَارِقَةٌ


في رَتْقِ ثَوْبِ المَساءِ


بِإبْرَةٍ مِنْ سُكُونٍ ومِحْجَرٍ نَاعِسْ،


أَغْزِلُ لَكَ مِنْ كَتَّانِ الحَيْرَةِ


أبْجَدِيَّةً مَضْفُورَةً بِلُعابِ الضَّباب.


أَنْفُثُ فِيها زَفِيرَ المَوَاقِدِ المَهْجُورةِ


وأُسْرِجُ خُيُوطَها مِنْ مِشكاةِ العَدَمِ،


فَأَنَا لا أَصُوغُ حَرْفاً..


بَلْ أَسْتَلُّ شَظايا الذَّاكِرةِ


مِنْ مَسامِ المَنسُوجِ الذي أُحِيكُهُ،


كَمَا لَوْ أَنَّ يَدَيَّ تَرْتِلانِ سِفْرَ التَّكْوِينِ


على صَفْحةِ هَذا القُماشِ المَسْجُور.


تَمَهَّلْ..


ولا تَقْطَعْ خَيْطَ الصَّمْتِ بِبَرْقِ المِقَصّ،


فَكُلُّ عُرْوَةٍ أَعْقِدُها


هِيَ قَيْدٌ لِفِكْرَةٍ جَامِحَةٍ تَسْتَوطِنُني،


وكُلُّ وَخْزَةٍ تَسْكُنُ أَنَامِلِي


تُفَجِّرُ في مِدادي نَزِيفاً كِيمْيَائِيَّ الصِّبْغَةِ.


فَيَسِيلُ الوَجَعُ فَوْقَ رُخامِ السَّطْرِ


لِيَرْسُمَ وَجْهَ الغِيابِ


بِمَلامِحَ لم تَعْرِفْها المَرايا بَعْد.


إنَّني لا أُرَمِّمُ ثَوْباً بَالِياً،


بَلْ أُعِيدُ رَفْوَ الثُّقُوبِ في رِدَاءِ الوُجُود،


تِلْكَ الفَجَواتُ التي خَلَّفَتْها مَخَالِبُ الأَيَّامِ في جِلْدِ الرُّوح.


وَأَنْتَ هُنا، فِي فَيْءِ ارْتِعاشِ الضَّوْءِ،


تُراقِبُ انْصِهارَ الزَّمانِ بَيْنَ سَدَايَ ولُحْمَتي،


فَتَجِدُكَ تَتَسَرَّبُ كَغُبَارٍ بَلُّورِيٍّ


بَيْنَ طَيَّاتِ الحَرِيرِ الخَشِنِ لِهذا العُمْر.


فَإذا شَعَرْتَ بِقَشْعَرِيرَةٍ تَمُرُّ عَبْرَ القُمَاش،


أَوْ سَمِعْتَ لِلإبْرَةِ صَرِيفاً يُشْبِهُ الأَنِين،


فَلا تَرْتَاعْ..


لَيْسَ ذَلِكَ صَوْتَ المَعْدِنِ العَقِيم،


بَلْ هُوَ كِياني الذي اسْتَحَالَ نَسِيجاً.


وَرُوحِي التي ذَابَتْ لِتَصِيرَ بَطانَةً لِخَوْفِكَ،


أَنَا الآنَ لَسْتُ امْرَأَةً تَكْتُب،


أَنَا الغَرْزَةُ الأَخِيرةُ في نِهَايةِ الثَّوْبِ.


أَنْتَظِرُ أَنْ أُعْقَدَ جَيِّداً


كَيْ لا يَنْفَرِطَ العَالَمُ مِنْ خَلْفِكَ.


ماري العميري

الضوء من معصميها بقلم الراقي طاهر عرابي

 „الضوء من معصميها“


قصيدة للشاعر طاهر عرابي

دريسدن – 28.03.2023 | نُشرت في 25.07.2025

نُقّحت في 02.05.2026



1


كلّ ما أردتُه

هو أن أعبرَ جسرًا،

من طريقٍ إلى طريق،

لا غايةَ لي إلّا أن أمضي،

كما تمضي الرياحُ في شجرةٍ

لا تسألُ أوراقَها عن وجعِها إنْ تألّمت،

وكما يجري النهرُ،

لا يدري أينَ المنعطف،

وهل يسقي الطيور…

أم يُغري الشجر.


كنتُ واثقًا

أنني لن أُثيرَ اهتمامَ أيّ كائن،

فالنهارُ نفسُه

يمضي بلا اكتراث، لا يلتفت،

ولا يسلّم عليّ،

كما تفعلُ الغيومُ حين تخجلُ من توسّلي؛

فتمطرُ وتُبلّلني…

وكأنني توسّلتُ كمذنبٍ

لا يليق به النقاء.


أنا،

الذي لا يتعبُ من ضوءِ الشمس،

ولا يطلبُ البحر،

حتى وإنْ لم يكنْ في طريقي بحر.

مقتنعٌ أنَّ البهجةَ مسألةُ وقت؛

هي مَن تأتي…

ولو كنتُ نائمًا،

أو مستلقيًا على شاطئٍ

لا أعرفُ اسمَه.


لديّ حرص؛

فكلُّ شيءٍ في الحلم ليس وهمًا،

وكلُّ وهمٍ كان حلمًا فاندثر،

مثل شهابٍ عابر.

أحرص،

وأرتبكُ من هجرةِ الأسماك

إنْ خرجتْ من بحرٍ إلى بحر،

ونستْ مكانَها الأول،

كما ينسى عصفورٌ

كيف وقعَ في النهر،

ولماذا…

ظلّ يبكي دون جُرحٍ ظاهر.


فلنقل:

هذه بهجتي… أنا الحريص،

وانتهى القلقُ على عتبةِ الشفاه.


أنا،

الذي لا وصايةَ له على أحد،

ولا ولاءَ لما يسكن أمامي أو خلفي،

أو في غرب الأفق.

كنتُ أمشي دائريًا،

أُرضي نفسي بخداعٍ شفيف،

لكنني أرتجف

من وشايةِ الأفكار

التي تلتهمُ أحاسيسي…

ولا تتوقّف.


2


العصافيرُ أنهتْ أحاديثَها ومشاوراتِها

فوقَ درابزين الجسر،

وألقت إليّ نظرةً

كأنها تحذيرٌ في هيئةِ حب:


“سيندثرُ المنعطفُ الأخير

قبل أن تصلَ إليه.

كان خبزُ المظلومِ في دمك جرسًا مؤلمًا،

فتصدّقتَ برداءِ شفتيك للمطر،

لكن الطريقَ سيُغرقُك بالوحل.

احملْ حجرًا، أو قناعًا،

واصنعْ من الكلمات

ما يشبهُ الحريّة.


لديكَ بعضُ الوقت…


نادي حبيبتَنا، رنا… لتنقذك

قبل أن يتشوّه النهارُ برذاذٍ

لا يُعرف من أين جاء.

ناديها كأنك تُخفي يقينًا

يخاف أن يُقال

فوق جسرٍ يزدحم بالهواء.”


فزعتُ:

من تكونُ رنا؟

ولِمَ هذا التهديد،

بعدَ مشاوراتٍ ظننتُ أنها في غايةِ الروعة؟


لو جاءتْ رنا،

لن تجدني في هيئةٍ تليقُ بالفرح،

أقسم.


3


لكن النهرَ كان يختبئ تحتَ الجسر،

واهتزَّ… وقال لي، متألّمًا:


“ألم تشعرْ

أنَّ خطواتِك تؤذي صفائي؟

أيها العابر،

هل تظنُّ أن الصفاء

حكرٌ على البشر؟”


على الضفاف،

كان الحزنُ يتساقط،

يتلقّفه الحصى،

وتنقله جذورُ الأشجار،

خشيةَ أن يوقظَ في النهرِ رعشةَ الأجل.


أدركتُ بفطرتي

أنّ الأشجارَ تُصلّي للنهر،

وأنّ حبًّا خفيًّا يربطها به؛

حبٌّ لا يحتاجُ إلى إثبات.


سمعتُ النهرَ يُصارح الزهور:


“أنا مرتعبٌ

من دبيبِ رجلٍ متلهّفٍ للقاءِ رنا وعَبر.

دعونا نحتفل

بعيدِ الحزنِ المشترك.

أبلغتُكم ما سيحدث؛

ستمطر كما تستهزئ بنا السماء،

ولا رادعَ للقدر.”


شعرتُ بالعجز.

همسوا بعيدٍ للحزن،

وأنا الذي ما زلتُ أتعثّر

بأسئلةِ الكراهية:

هل أكره؟

أم أنني أخشى الجواب؟


4


وقفتُ طويلًا،

كأنني رسّامٌ

أدركتْه فكرةٌ عبقرية،

ونسيَ ألوانه.


ضحكتُ من نفسي:

كيف أرسمُ عيدَ الحزن

وأنا بلا ريشة، بلا ورق،

وأنا بلا صفيحة

أمزجُ بها البنفسجيّ بالأحمر الورديّ؟


همستُ:

سأرسمُ على صدري لوحةً أبدية؛

نهرٌ يتلوّى بالحزن،

ونباتاتٌ تتوسّلُ للفراشات.


صدري سيكونُ اللوحة،

وأمّا الألوان…

فقد خذلتني،

حين صار اللونُ أنا:

في وجهي،

في اختيار اللحظة.


5


فجأةً، عبرتْ فتاةٌ مستعجلةُ الخطى.

صرختُ:

“مهلًا!

ألا تعلمين أن الجسر يهتزّ؟

أنّ النهرَ يتألّم؟

وأنّ السماءَ ستمطر بحرية المجنون؟

اليوم… هو عيدُ الحزن!”


ثم سألتُ، متلعثمًا:

“هل أنتِ رنا؟

من يذكرُ الجسرَ والنهرَ والورد؟”


كانت هي…

رنا، التي

لم أجرؤ على حبّها،

لأنّ الجمالَ مخيف،

والجمال لا يُوثَق به

إذا كان العاشقُ غارقًا

في حوارِ الأرق.


قالت:

“لم أسمعْ صوتَ النهر،

ومنذ عشرين عامًا

أعبر هذا الجسرَ دون أن ألتفت.


والوردُ الذي ذكرتَ… هو منّي.

لكن ارسمْه،

ارسمْه وهو يتألّم،

لو كنتَ تعرفُ كيف تكذب.


وقاوِمِ البردَ في هذا الشتاءِ،

إن كانت في عينيكَ مدفأةُ الرجاء،

وإيّاكَ أن تعبثَ بسكينةِ الرياح

إنْ مالتْ على أكفانِ الزوبعة.”


تنهدتُ، وقلتُ بحسرة:

“لا أملكُ ريشة،

ولا فكرةً عن أعيادِ الحزن،

ولا حتى كذبةً تليقُ بلوحة.”


فقفزت، وقالت:

“ارسمْ بإصبعك،

قبل أن تفقدَ الفكرة.”


غمستُ أصابعي بالوحل،

ورسمتُ على صدري قلبًا

يخترقُه جدول،

وتدورُ حوله فراشات،

وجسرٌ معلّقٌ بين شفتين.


6


أمسكتُ بيد رنا، وقلتُ للنهر:

“أجّلْ حزنَك.”

لم يجب.

لكنني رأيتُ الضوء

يخرجُ من معصميها.


قلتُ:

“أنتِ…” ولم أُكمل.

كان الجسرُ ثابتًا،

والنهرُ أهدأ،

وأعبرُ للمرةِ الأولى

أمسكُ بمعصمٍ مضيء…

والطريقُ خجلَ منا ورحل.


دريسدن – طاهر عرابي

عهد الوفاء بقلم الراقي محمد المحسني

 «عهد الوفآء» 

عَرَفنا الحُبَّ في المَهْدِ صَبِيَّا .. ولَم نَعلمْ بِهِ قَبلاً سَمِيَّا

رَضَعنا حُلوَهُ من ثَديِ عطفٍ .. ومَا كُنَّا لَهُ يوماً عِصِيَّا

سَقانا العشقُ ترياقاً صَفِيّاً .. فصارَ لِجَدبِنا غَيثاً مَرِيَّا

نَمَتْ أشواقُنا غُصناً فنضراً .. فَمَدَّتْ فوقَنا ظِلاًّ رَضِيَّا

فَلا لَوْمٌ يُدَنِّسُ صَفْوَ عَهْدٍ .. وكُلُّ الصِّدْقِ قدْ أضحىٰ جَلِيَّا

حَفِظْنا سِرَّنا في جَوْفِ قَلْبٍ .. وكَانَ اللهُ لِلنَّجْوَىٰ وَلِيَّا

كَبرنا واستقامَ العُودُ فينا .. فأصبحنا لَهُ نَجثو جِثِيَّا

تحاببنا.. ولكنْ من بعيدٍ .. ومَـا كُنَّا بِهِ يوماً بَغِيَّـا

عَقَدنا مَواثقَ الإخلاصِ عهداً .. فكنتِ لِخافقي كَنفاً حَفيَّا

نَسيرُ ودربُنا نُورٌ وطُهرٌ .. ومنهجُنا سَمَا رُوحاً وزَيَّا

أرى في عينكِ الدُّنيا جِنانًا .. وقلباً بالوفا مَلأَ الثُّريَّا

إذا هَمَسَتْ شِفاهُكِ طابَ أُنسي .. وعادَ المُرُّ في ثَغري شَهِيَّا

حَبيبانِ استَقَينا الوُدَّ صِرفاً .. فصارَ الحُبُّ في دَمِنا قَوِيَّا

هَزَزنا جِذعَ ذِكراهُ فَسالتْ .. على أرواحِنا رُطَباً جَنِيَّا

تذوَّقنا جَنى الإخلاصِ شَهداً .. فلم نَعرِف لِمُرِّ الهَجرِ كَيَّا

بَنينا في صَميمِ القَلبِ صَرحاً .. يَفيضُ نَضارةً.. وسَنىً جَلِيَّا

تَعاهَدنا على أن نبقى دوماً .. نَصونُ الحُبَّ كي يبقىٰ نَقِيَّا

أيا مَن قد سكنتِ الروحَ حُباً .. دعينا في المَدىٰ نعلُو سَوِيَّا


بقلم الشاعر 

         محمد المحسني

كيف تغيرنا الأيام دون أن نشعر بقلم الراقي د.مقبول عز الدين

 كيف تغيّرنا الأيام دون أن نشعر؟


تمضي الأيام بهدوءٍ غريب، لا تُحدث ضجيجًا وهي تُبدّل ملامحنا من الداخل، ولا تُعلن لنا أنها أخذت شيئًا وأعطتنا شيئًا آخر. نستيقظ كل صباح نظن أننا ما زلنا كما كنا، لكن الحقيقة أن في أعماقنا أشياء كثيرة تغيّرت دون أن نشعر.

الأيام لا تغيّر وجوهنا فقط، بل تغيّر أرواحنا أيضًا. تجعل الإنسان أكثر صمتًا بعدما كان كثير الكلام، وأكثر حذرًا بعدما كان يثق بالجميع، وأكثر تأملًا بعدما كان يمرّ على الحياة مسرعًا لا ينتبه لتفاصيلها.

هناك أشخاص دخلوا حياتنا يومًا، كانوا يشبهون الفرح، ثم أخذتهم الطرق البعيدة، فتركوا فينا فراغًا علّمنا معنى الغياب. وهناك أحلام كنا نظنها قريبة، نحملها بكل شغف، ثم جاءت الأيام لتخبرنا أن بعض الأمنيات لا تتحقق كما نشتهي، بل تتحقق كما يشاء الله.

الأيام تُعلّمنا دون كتب، وتُربّينا دون أن نشعر. تُسقط الأقنعة عن الوجوه، وتكشف لنا معادن البشر في المواقف الصعبة. كم من شخص ظننّاه سندًا فخذلنا، وكم من إنسان بسيط وقف معنا حين تخلّى الجميع.

ومع مرور الوقت، يتغيّر حديثنا عن الحياة. في الصغر كنا نحلم بكل شيء، نضحك من القلب، ونركض خلف الفرح دون خوف. أما اليوم فقد أصبحنا نفكّر كثيرًا قبل أن نفرح، ونخاف أن نتعلّق بما قد نفقده.

الأيام جعلتنا ندرك أن الراحة ليست في كثرة المال، ولا في الشهرة، بل في طمأنينة القلب، وفي وجود أشخاص صادقين حولنا، وفي أن ننام دون أن نحمل في أرواحنا أذى لأحد.

أحيانًا ننظر إلى صورنا القديمة فنبتسم بحنين موجع، ليس لأن الزمن تغيّر فقط، بل لأننا نحن أيضًا تغيّرنا. تغيرت نظرتنا للحياة، وأولوياتنا، وحتى أحلامنا الصغيرة التي كانت تكفينا لنشعر بالسعادة.

كبرنا حين تعلّمنا أن ليس كل الناس يشبهون قلوبنا، وحين فهمنا أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف كلمة.

ومع ذلك، تبقى الأيام رغم قسوتها معلمة عظيمة. فهي التي تمنحنا النضج، وتعلّمنا الصبر، وتجعلنا أكثر قربًا من الله كلما أرهقتنا الحياة. ففي كل تعب حكمة، وفي كل خسارة درس، وفي كل نهاية بداية جديدة لا نراها إلا بعد حين.

هكذا تغيّرنا الأيام دون أن نشعر… تأخذ من أعمارنا، لكنها تمنحنا فهمًا أعمق للحياة. تسرق منّا بعض البراءة، لكنها تزرع فينا الحكمة. وتجعلنا مع الوقت ندرك أن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس العمر الطويل، بل القلب الطيب والأثر الجميل بين الناس.

د.م



قبول عزالدين

حكاية الخبز والعصافير بقلم الراقي جاسم محمد شامار

 حكاية الخبز والعصافير في ذكرى عصافير الصباح وصياح ديكة الجيران  أنتشي بالحنين لذلك المكان٠٠  زقاق عتيق في ظلال الأشجار  معبأ برائحة الخبز ا...