على الضفة الأخرى
منذ أعوام ومع آخر إطلالة للكوكب الذهبي على صفحة الماء، تأتي ريما إلى الضفة نفسها، في نفس الوقت تودع الغروب وتستقبل حبيبها رامي. تأتي ريما حاملة كتابا لا تقرؤه، وزهرة لا تهديها لأحد. كانت تحدق في صفحة الماء، وكأن النهر يخبئ بين تموجاته حكاية لم تكتمل. وفي كل مساء، يمر رجل بقاربه الصغير، يجذف بصمت، ويلقي شباكه في الماء. لم يسألها يوما من تنتظر، ولم تسأله عن سفينة الجنود التي قد تقل ذات يوم من سرق قلبها. كان كل منهما يعرف أن في الحياة أشياء لا تقال، بل تحمل في القلب بصبر. وذات مساء اقترب قاربه من الضفة أكثر من المعتاد، وقال:
- أما وجدت بعد ما جئت تبحثين عنه؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقالت وهي ترقب دوائر الماء.
- كنت أظن أنني أنتظر عودة الجنود...ثم اكتشفت أنني كنت أنتظر نفسي. ساد الصمت، ولم يكن في المشهد سوى همس النسيم، وارتعاشة الضوء فوق الماء.
غادر الرجل بقاربه، بينما بقيت هي في مكانها، لكن شيئا واحدا تغير... لم تعد عيناها معلقتين بالضفة الأخرى، بل بالأفق الذي يمتد أمامها. وعندما استدارت لتغادر، حملت الزهرة معها لأول مرة، وأدركت أن أجمل الرحلات ليست تلك التي تعبر الأنهار، بل تلك التي تعبر بنا من الحنين... إلى السلام الداخلي... وعلى وقع خطواتها انطفأ الانتظار وأزهرت الطمأنينة.
بقلمي د. بثينة الباروني
تونس 🇹🇳 في 15 أوت 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .