„الضوء من معصميها“
قصيدة للشاعر طاهر عرابي
دريسدن – 28.03.2023 | نُشرت في 25.07.2025
نُقّحت في 02.05.2026
⸻
1
كلّ ما أردتُه
هو أن أعبرَ جسرًا،
من طريقٍ إلى طريق،
لا غايةَ لي إلّا أن أمضي،
كما تمضي الرياحُ في شجرةٍ
لا تسألُ أوراقَها عن وجعِها إنْ تألّمت،
وكما يجري النهرُ،
لا يدري أينَ المنعطف،
وهل يسقي الطيور…
أم يُغري الشجر.
كنتُ واثقًا
أنني لن أُثيرَ اهتمامَ أيّ كائن،
فالنهارُ نفسُه
يمضي بلا اكتراث، لا يلتفت،
ولا يسلّم عليّ،
كما تفعلُ الغيومُ حين تخجلُ من توسّلي؛
فتمطرُ وتُبلّلني…
وكأنني توسّلتُ كمذنبٍ
لا يليق به النقاء.
أنا،
الذي لا يتعبُ من ضوءِ الشمس،
ولا يطلبُ البحر،
حتى وإنْ لم يكنْ في طريقي بحر.
مقتنعٌ أنَّ البهجةَ مسألةُ وقت؛
هي مَن تأتي…
ولو كنتُ نائمًا،
أو مستلقيًا على شاطئٍ
لا أعرفُ اسمَه.
لديّ حرص؛
فكلُّ شيءٍ في الحلم ليس وهمًا،
وكلُّ وهمٍ كان حلمًا فاندثر،
مثل شهابٍ عابر.
أحرص،
وأرتبكُ من هجرةِ الأسماك
إنْ خرجتْ من بحرٍ إلى بحر،
ونستْ مكانَها الأول،
كما ينسى عصفورٌ
كيف وقعَ في النهر،
ولماذا…
ظلّ يبكي دون جُرحٍ ظاهر.
فلنقل:
هذه بهجتي… أنا الحريص،
وانتهى القلقُ على عتبةِ الشفاه.
أنا،
الذي لا وصايةَ له على أحد،
ولا ولاءَ لما يسكن أمامي أو خلفي،
أو في غرب الأفق.
كنتُ أمشي دائريًا،
أُرضي نفسي بخداعٍ شفيف،
لكنني أرتجف
من وشايةِ الأفكار
التي تلتهمُ أحاسيسي…
ولا تتوقّف.
2
العصافيرُ أنهتْ أحاديثَها ومشاوراتِها
فوقَ درابزين الجسر،
وألقت إليّ نظرةً
كأنها تحذيرٌ في هيئةِ حب:
“سيندثرُ المنعطفُ الأخير
قبل أن تصلَ إليه.
كان خبزُ المظلومِ في دمك جرسًا مؤلمًا،
فتصدّقتَ برداءِ شفتيك للمطر،
لكن الطريقَ سيُغرقُك بالوحل.
احملْ حجرًا، أو قناعًا،
واصنعْ من الكلمات
ما يشبهُ الحريّة.
لديكَ بعضُ الوقت…
نادي حبيبتَنا، رنا… لتنقذك
قبل أن يتشوّه النهارُ برذاذٍ
لا يُعرف من أين جاء.
ناديها كأنك تُخفي يقينًا
يخاف أن يُقال
فوق جسرٍ يزدحم بالهواء.”
فزعتُ:
من تكونُ رنا؟
ولِمَ هذا التهديد،
بعدَ مشاوراتٍ ظننتُ أنها في غايةِ الروعة؟
لو جاءتْ رنا،
لن تجدني في هيئةٍ تليقُ بالفرح،
أقسم.
3
لكن النهرَ كان يختبئ تحتَ الجسر،
واهتزَّ… وقال لي، متألّمًا:
“ألم تشعرْ
أنَّ خطواتِك تؤذي صفائي؟
أيها العابر،
هل تظنُّ أن الصفاء
حكرٌ على البشر؟”
على الضفاف،
كان الحزنُ يتساقط،
يتلقّفه الحصى،
وتنقله جذورُ الأشجار،
خشيةَ أن يوقظَ في النهرِ رعشةَ الأجل.
أدركتُ بفطرتي
أنّ الأشجارَ تُصلّي للنهر،
وأنّ حبًّا خفيًّا يربطها به؛
حبٌّ لا يحتاجُ إلى إثبات.
سمعتُ النهرَ يُصارح الزهور:
“أنا مرتعبٌ
من دبيبِ رجلٍ متلهّفٍ للقاءِ رنا وعَبر.
دعونا نحتفل
بعيدِ الحزنِ المشترك.
أبلغتُكم ما سيحدث؛
ستمطر كما تستهزئ بنا السماء،
ولا رادعَ للقدر.”
شعرتُ بالعجز.
همسوا بعيدٍ للحزن،
وأنا الذي ما زلتُ أتعثّر
بأسئلةِ الكراهية:
هل أكره؟
أم أنني أخشى الجواب؟
4
وقفتُ طويلًا،
كأنني رسّامٌ
أدركتْه فكرةٌ عبقرية،
ونسيَ ألوانه.
ضحكتُ من نفسي:
كيف أرسمُ عيدَ الحزن
وأنا بلا ريشة، بلا ورق،
وأنا بلا صفيحة
أمزجُ بها البنفسجيّ بالأحمر الورديّ؟
همستُ:
سأرسمُ على صدري لوحةً أبدية؛
نهرٌ يتلوّى بالحزن،
ونباتاتٌ تتوسّلُ للفراشات.
صدري سيكونُ اللوحة،
وأمّا الألوان…
فقد خذلتني،
حين صار اللونُ أنا:
في وجهي،
في اختيار اللحظة.
5
فجأةً، عبرتْ فتاةٌ مستعجلةُ الخطى.
صرختُ:
“مهلًا!
ألا تعلمين أن الجسر يهتزّ؟
أنّ النهرَ يتألّم؟
وأنّ السماءَ ستمطر بحرية المجنون؟
اليوم… هو عيدُ الحزن!”
ثم سألتُ، متلعثمًا:
“هل أنتِ رنا؟
من يذكرُ الجسرَ والنهرَ والورد؟”
كانت هي…
رنا، التي
لم أجرؤ على حبّها،
لأنّ الجمالَ مخيف،
والجمال لا يُوثَق به
إذا كان العاشقُ غارقًا
في حوارِ الأرق.
قالت:
“لم أسمعْ صوتَ النهر،
ومنذ عشرين عامًا
أعبر هذا الجسرَ دون أن ألتفت.
والوردُ الذي ذكرتَ… هو منّي.
لكن ارسمْه،
ارسمْه وهو يتألّم،
لو كنتَ تعرفُ كيف تكذب.
وقاوِمِ البردَ في هذا الشتاءِ،
إن كانت في عينيكَ مدفأةُ الرجاء،
وإيّاكَ أن تعبثَ بسكينةِ الرياح
إنْ مالتْ على أكفانِ الزوبعة.”
تنهدتُ، وقلتُ بحسرة:
“لا أملكُ ريشة،
ولا فكرةً عن أعيادِ الحزن،
ولا حتى كذبةً تليقُ بلوحة.”
فقفزت، وقالت:
“ارسمْ بإصبعك،
قبل أن تفقدَ الفكرة.”
غمستُ أصابعي بالوحل،
ورسمتُ على صدري قلبًا
يخترقُه جدول،
وتدورُ حوله فراشات،
وجسرٌ معلّقٌ بين شفتين.
6
أمسكتُ بيد رنا، وقلتُ للنهر:
“أجّلْ حزنَك.”
لم يجب.
لكنني رأيتُ الضوء
يخرجُ من معصميها.
قلتُ:
“أنتِ…” ولم أُكمل.
كان الجسرُ ثابتًا،
والنهرُ أهدأ،
وأعبرُ للمرةِ الأولى
أمسكُ بمعصمٍ مضيء…
والطريقُ خجلَ منا ورحل.
دريسدن – طاهر عرابي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .