كيف تغيّرنا الأيام دون أن نشعر؟
تمضي الأيام بهدوءٍ غريب، لا تُحدث ضجيجًا وهي تُبدّل ملامحنا من الداخل، ولا تُعلن لنا أنها أخذت شيئًا وأعطتنا شيئًا آخر. نستيقظ كل صباح نظن أننا ما زلنا كما كنا، لكن الحقيقة أن في أعماقنا أشياء كثيرة تغيّرت دون أن نشعر.
الأيام لا تغيّر وجوهنا فقط، بل تغيّر أرواحنا أيضًا. تجعل الإنسان أكثر صمتًا بعدما كان كثير الكلام، وأكثر حذرًا بعدما كان يثق بالجميع، وأكثر تأملًا بعدما كان يمرّ على الحياة مسرعًا لا ينتبه لتفاصيلها.
هناك أشخاص دخلوا حياتنا يومًا، كانوا يشبهون الفرح، ثم أخذتهم الطرق البعيدة، فتركوا فينا فراغًا علّمنا معنى الغياب. وهناك أحلام كنا نظنها قريبة، نحملها بكل شغف، ثم جاءت الأيام لتخبرنا أن بعض الأمنيات لا تتحقق كما نشتهي، بل تتحقق كما يشاء الله.
الأيام تُعلّمنا دون كتب، وتُربّينا دون أن نشعر. تُسقط الأقنعة عن الوجوه، وتكشف لنا معادن البشر في المواقف الصعبة. كم من شخص ظننّاه سندًا فخذلنا، وكم من إنسان بسيط وقف معنا حين تخلّى الجميع.
ومع مرور الوقت، يتغيّر حديثنا عن الحياة. في الصغر كنا نحلم بكل شيء، نضحك من القلب، ونركض خلف الفرح دون خوف. أما اليوم فقد أصبحنا نفكّر كثيرًا قبل أن نفرح، ونخاف أن نتعلّق بما قد نفقده.
الأيام جعلتنا ندرك أن الراحة ليست في كثرة المال، ولا في الشهرة، بل في طمأنينة القلب، وفي وجود أشخاص صادقين حولنا، وفي أن ننام دون أن نحمل في أرواحنا أذى لأحد.
أحيانًا ننظر إلى صورنا القديمة فنبتسم بحنين موجع، ليس لأن الزمن تغيّر فقط، بل لأننا نحن أيضًا تغيّرنا. تغيرت نظرتنا للحياة، وأولوياتنا، وحتى أحلامنا الصغيرة التي كانت تكفينا لنشعر بالسعادة.
كبرنا حين تعلّمنا أن ليس كل الناس يشبهون قلوبنا، وحين فهمنا أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف كلمة.
ومع ذلك، تبقى الأيام رغم قسوتها معلمة عظيمة. فهي التي تمنحنا النضج، وتعلّمنا الصبر، وتجعلنا أكثر قربًا من الله كلما أرهقتنا الحياة. ففي كل تعب حكمة، وفي كل خسارة درس، وفي كل نهاية بداية جديدة لا نراها إلا بعد حين.
هكذا تغيّرنا الأيام دون أن نشعر… تأخذ من أعمارنا، لكنها تمنحنا فهمًا أعمق للحياة. تسرق منّا بعض البراءة، لكنها تزرع فينا الحكمة. وتجعلنا مع الوقت ندرك أن أجمل ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس العمر الطويل، بل القلب الطيب والأثر الجميل بين الناس.
د.م
قبول عزالدين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .