الثلاثاء، 19 مايو 2026

لقاء عابث بقلم الراقية نور شاكر

 لقاء عابث 

قصة قصيرة 

بقلم: نور شاكر 

جلس على الطاولة في زاوية المقهى الهادئة، يتأمل ساعته للمرة الخامسة خلال عشر دقائق 

كانت عقاربها تتحرك ببطء قاتل، كأن الزمن قرر أن يعاقبه على شوقه المتلهف عينيه تجولان في المكان بين الوجوه والأنفاس المتناثرة، لكن قلبه كان معلّقاً بلحظة قدومها


استعاد شريط الذكريات الذي لم يغادر ذهنه منذ أسبوع حين التقى بها صدفة في أحد الأماكن العامة 

كان لقاءً عابراً لم يدم سوى لحظات، بعد انقطاع دام سنتين كاملتين. لم يتبادلا سوى كلمات معدودة: سلام خجول، وابتسامة مرتجفة، وعينان قالتا أكثر مما يمكن أن تُقاله الكلمات

كانا على عجلة من أمرهما، ولم يسمح الوقت للمزيد، لكنه وللمرة الأولى منذ زمن، شعر أن القدر أعطاه فرصة جديدة فطلب منها لقاءً آخر، اتفقا أن يكون اليوم، في هذا المقهى تحديدًا


نظر حوله مجددًا، يتأمل الزحام الذي بدا كفيلم صامت يمر أمام عينيه وبين هذا الزحام، تسللت إلى أنفه رائحة عطر مألوفة، تلك الرائحة تحديدًا التي لطالما التصقت بذاكرته حين كان يفكر بها

 التفت بسرعة، قلبه يخفق بقوة، ونظره يتلهف أن يجدها أمامه، كما تخيّلها مرارًا في أحلامه


لكن سرعان ما انطفأ بريق عينيه، حين رأى فتاة أخرى غيرها، تضع العطر نفسه، لكن دون أن تمت بصلة لها تنهد بخيبة، وألقى نظرة أخرى إلى ساعته كل دقيقة تمر عليه وكأنها ساعة كان يعد الثواني بقلق، وكأن قلبه يركض أمام الزمن، يسبقه أملاً في لقائها


وفجأة، قطع صوت خافت بجانبه شروده:


"هل سأمت الانتظار؟ يبدو أنني أطلت القدوم."


رفع رأسه بسرعة، ليراها أمامه. هي، بكل تفاصيلها

نفس الملامح التي لم تغب عن ذاكرته يومًا، بنفس بريق العينين، ونفس الصوت الذي يعرفه قلبه قبل أذنيه

 ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة، امتزجت بشوقٍ كبير


قبل دقائق من وصولها، كانت قد وقفت أمام زجاج إحدى السيارات المركونة تتفقد مظهرها. تنهدت بعمق، وقالت لنفسها:


"هل سأبدو له كما كنت؟ هل سيتذكرني كما أنا؟"


أصلحت من خصلات شعرها المرتبكة، وعدلت وشاحها، ثم بدأت تمشي بخطى متثاقلة، مملوءة بالتردد والخجل، نحو الطاولة التي اختارها هو للقاء.


حين وقفت أمامه، نظر إليها نظرة لم تتغير

لا تزال عيونه تحمل تلك النظرات الثاقبة، التي تخترق أعماق روحها، تفتّش عن تفاصيلها الصغيرة كما كانت تفعل دائمًا. ملامحه القاسية التي تعوّد أن يخفي بها رقة قلبه،

 بدت مألوفة لها. لم يكن قاسيًا أبدًا، فقط متحصناً بقناع خارجي لا يراه إلا من يقترب منه حقًا


رحّب بها، وسحب الكرسي لتجلس. فعل ذلك بصمت، لكن قلبه كان يرحب بها قبل لسانه


همست في داخلها:

"لا زال حنونًا كما عهدته."

ثم جلست، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة امتنان

 تخفي خلفها فيضًا من الشوق واللهفة


مرّت لحظات صمت، قطعها اقتراب النادل ليسأل عن الطلبات. فاجأها هو بسؤاله، يبتسم بثقة:


"أما زلت تحبين القهوة؟"


ترددت ، ثم قالت:


"كلا، لم أعد أحبها."


لكن الحقيقة أنها لا تزال تعشق القهوة كما كانت، بل وتطلبها بنفس الطريقة، بنفس الكمية من السكر

تفاجأت بأنه ما زال يذكر ذلك، وكأن ذوقها في القهوة محفور في ذاكرته

كذبت بدافع الحياء، لكنها لم تستطع أن تمنع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى وجهها


بدأ الحديث بينهما عن الحياة، عن الظروف، عن السنوات التي مضت

انسجما بسرعة، وكأن الزمان لم يفرّقهما يومًا استرسلا في الكلام، تارة يضحكان على مواقف قديمة، وتارة يصمتان حين تهاجمهم الذكريات


ثم نظرت إليه بجدية، وسألته:


"لماذا دعوتني للقائك؟"


أجاب بهدوء، وكأن جوابه كان ينتظره منذ زمن:


"لأنني اشتقت أن نلتقي."


ابتسمت بعد لحظات صمت، وقالت بنبرة مائلة للعتب:


"فقط لأجل ذلك؟"


أجابها بنبرة صادقة:


"نعم... لا زلتِ كما أنتِ، لم تغيّرك السنين، كما قلتِ."


لكنها كررت السؤال مرة أخرى، تنتظر جوابًا مختلفًا، ربما يفتح لها بابًا مغلقًا في قلبه:


"فقط لنتقابل؟ لا شيء آخر؟"


تنهّد وأجاب، مترددًا:


"أعلم أنكِ تريدين أكثر من ذلك... لكنني لا أستطيع أن أعدك بشيء الآن. لا زلتُ غير مستقر، وأحاول أن أجد مكاني في الحياة."


كلماته لم تكن غريبة عنها. كم مرة سمعتها سابقًا؟ كم مرة وعدها بالمستقبل ثم اختفى؟ كم مرة تذرع بعدم الاستقرار؟ أدركت حينها أنه لا يزال كما هو، لم يتغير

 رجل لا يعرف كيف يثبت، ولا أين يقف


ابتسمت بحزن، والغصة تخنق صدرها

تذكرت كل الأحلام التي بنتها في خيالها، كل الخطط التي رسمتها ذات مساء وحدها، تنتظره أن يشاركها بها

 لكن الوقت مضى، والسنوات مضت، وهو لا يزال واقفًا عند نفس النقطة


استأذنت بهدوء، تركت ثمن القهوة على الطاولة، ووقفت

 لم تستطع أن تنظر في عينيه مرة أخرى

خرجت من المقهى، تجرّ وراءها خيبة أمل ثقيلة، وذكريات جميلة ذاب لونها مع الزمن، ومع رجلٍ اختارته يومًا فارسًا لأحلامها، فتبيّن أنه مجرد سراب.

نفحات العشر بقلم الراقي عاشور مرواني

 نفحات العشر 


أطلّت ليالٍ بالفضاء نجومها

وفاح شذى العشر العظيم نسيمها


أقسم ربي بالليالي وإنها

لآيات حبّ قلّ فينا فهيمها


فيا صاحبي هذي المواسم أقبلت

تضمّ قلوب التائبين رحيمها


فقم واسكب العبرات شوقًا وخشية

وناج الذي تخفى عليه كلومها


وفي يوم عرفات تدلّت حباله

وسالت على وجه الصحاري غيومها


إلهي لي في الموقف العظم حاجة

ولي زفرة في سر قلبي أكيمها


فصبّي على قلبي سحائب رحمة

فقلبيَ أرض ما ارتوت من هزيمها


وجد لي بعفو لا أطيق سواه لي

فأنت الذي ترجو النفوس كريمها


وللذاكرين الله في كل لحظة

مقام عظيم فات عنا عظيمها


يكبّر قلب المؤمنين وصوتهم

يجلجل في الآفاق يهتز خيمها


"لبيك" دوّى في البوادي صداها

وحنّ إلى المحجوج رملاً وقيمها


فمن لم يحجّ البيت فالنفس طهّرت

بتقوى فؤاد أخلص الله صومها


فيا أمة المختار هذي أيامكم

تضيء بأنوار القرى وتتمها


فجودوا بخيرات النفوس فإنما

يفوز فتىً بالحبّ زكّى غريمها


وصلّوا على طه الحبيب وآله

فتلك صلاة يغتنمنا نعيمها


عاشور مرواني

قمر بين الورود بقلم الراقي هاني الجوراني

 قمرُ بينَ الورودِ


بينَ الربى والقمرِ الموشى بالسحرِ

تاهت ورودُ الروضِ في عينيكَ كالدررِ


والبدرُ لما اعتلى بينَ الزهورِ ضُحىً

ألقى على الكونِ أثوابًا منَ القمرِ


كأنَّهُ ملكٌ في عرشِ حديقتهِ

والوردُ حولَ خطاهُ خاشعُ النظرِ


تُحيطهُ حمرةُ الجُلنارِ ... مبتسمًا

فيزدهي الليلُ بالأضواءِ والزَّهَرِ


والنَّسيمُ يعزفُ ألحانًا مُعطرةً

كأنَّهُ الوحيُ يجري داخلَ الوترِ


يا قمرًا بينَ أغصانِ الرُّبى سكنَت

فيه القصائدُ والأشواقُ والفِكَرِ


ما بينَ وردٍ ونورِ البدرِ ملحمةٌ

تروي حكاياتِ عشّاقٍ بلا ضَجَرِ


والغيمُ مرَّ على استحياءِ مُنحنِيًا

كأنَّهُ عاشقٌ يخشى منَ السَّهَرِ


حتى النجومُ إذا مرَّت تُحييهِ

كأنها حوله تيجانُ فخرٍ مفتخرِ


يا بدرُ يا فتنةَ العشّاقِ في زمنٍ

ضاقَت بهِ الروحُ من حزنٍ ومن كَدَرِ


ابقَ على الوردِ ضوءًا لا غروبَ لهُ

فأنتَ أجملُ ما قد خطَّهُ القدرُ


✍️ هاني الجوراني

السياف عند الباب بقلم الراقي طارق الربيعي

 (السَّيَّافُ عِندَ البَابِ)


تُعانِقُني عِندَ البَابِ ثُمَّ تَمْضي،

وَتَغيبُ وَراءَ الغُيومِ،

هامِسَةً:

لا تَلْحَقْ خُطايَ، أَيُّها العاشِقُ العَنيدُ،

أَما تَعِبْتَ مِنَ الانتِظارِ؟

سَأَعودُ…


وَتَبقى عُيوني

مُعَلَّقَةً بِالسَّماءِ،

جامِحَةً

كَخُيولِ المُعتَصِمِ

في أَرضِ السَّوادِ.


وَفي الحَدَقاتِ جُمانَةُ شَوقٍ،

وَقُبلَةُ عيدٍ،

وَزَخّاتُ مَطَرٍ سَكرى بِالحَنينِ.


فَمَن يُطفِئُ هٰذا الوَجدَ عِندَ البَابِ؟

أَجُمانَةٌ… أَمِ السَّيَّافُ؟


وَعِندَ اشتِدادِ الوَجدِ

وَاحتِدامِ الهَيامِ،

كَيفَ لي الوُصولُ إِلَيكِ

وَأَنتِ مُغَيَّبَةٌ بَينَ القِبابِ؟


عِندَ السُّورِ

وَشى لي بَعضُ العَسَسِ،

وَكانَ اللَّيلُ يَشحَذُ صَمتَهُ

خَلفَ الأَسوارِ،

قائِلينَ:

ارجِعْ…

فَالسَّيَّافُ يَنتَظِرُكَ

عِندَ البَابِ.

طَارِق ٱلرَّبِيعِيّ

نوبة بكاء بقلم الراقية نور الهدى عبد الفتاح

 نوبة بكاء..


"لاشيء يعجبني أريد أن أبكي " 

كم بكينا يادرويش اعتقادا منا أن البكاء يغسلنا من أحزاننا وكم بكت أرواحنا قبل عيوننا ظنا منا أن للدموع وجاهة تنحني الأقدار لسلطانها 

كم بكينا ظنا منا أنه في البكاء شفاؤنا 

بالبكاء تنعتق أرواحنا 

بالبكاء تغدو قلوبنا المثقلة بالألام أخف من ريشة 

بالبكاء تنجلي ظلمة أيامنا الحالكة 

بالبكاء نعيد طفولتنا المسروقة 


آه كم بكينا يادرويش ولم ينصفنا البكاء 

لم يشفع لنا مطر العيون 

لم تنحني الأقدار لمداعبة رؤوس غزاها البياض 

بكينا و مامزق البكاء شرنقة الأحزان ولا أخرج أرواحنا الوهنة من قواقعها 

انهمرنا كسحابة شتوية 

ومانبتت فوق قبور الأمس زنبقة أو سوسنة

بكينا كثيرا ..حتى فقدنا لذة البكاء ..

بكينا حتى تلاشت أصواتنا ..

بكينا على كتف الحياة ..

وبين تلال الحكايات ..

وعلى مفترق الطرقات ..

بكينا ألما ..

بكينا ندما ..

بكينا بعد صفعة خذلان ..وبعد لسعة فراق .. وبعد زوبعة حنين..

بكينا بكاء يعقوب..

بكينا ..حتى اكتفينا ..

ماعاد الدمع نديما ..

ما عادت أنفسنا تتشهى البكاء 


نور الهدى عبد الحق

من يمسح الدمع عن عيون الياسمين بقلم الراقي بلال اسماعيل

 من يمسح الدمع عن وجه الياسمين؟


يمسك الإزميل في كف رقيقة

ينحت الغربة في صخر الحقيقة

يجمع الطين من الذكرى..

فيبكي الطين في كفه!

ويستجدي الملامح:

أين وجه الأم؟

أين الدار؟

أين الياسمين؟

كلما أجهز على صخرة..

نادته صخرة أخرى:

صنم أنت.. والمنفى صنم!

................................................

ويبقى السؤال.. يشق المدى

ويرتد خائباً.. ببقايا صدى

مشى في الدروب.. غريب الخطى

يرقع عمراً.. بما قد مضى

تناديه شام.. ويبكي الحنين

ويصرخ فيه.. جدار الأنين:

كفاك ارتحالاً.. بأرض العدم...


بقلمي : بلال اسماعيل ✍️🌹✨


#بلال_اسماعيل #نثر #شعر #ادب

الأحد، 17 مايو 2026

المسافة ماء بقلم الراقية ندي عبدالله

 المسافة ماء

المسافةُ كلمةٌ كالماء،

عذبةٌ، تذوبُ في الأعماق،

في القاعِ المتحجّرِ من الروح.

ونظرةٌ صافية

تُحيي ميتًا يمشي مستسلِمًا،

تتخبطه أمواجُ الجفاء،

ويكادُ المدى يذبحُ ما تبقّى فيه.

يلقي العمرَ الضائعَ فوق وسادتي،

ولولا بقيّةُ صبرٍ صادق،

لذبتُ في أدراجِ التيه،

راكضةً خلف هشاشةِ الأشياء.

ولا أدري كيف أخفيتُ الكرى

في عتمةِ الوجود،

كي أفتّشَ عن خيطِ ضوء

ينتهي إليك…

إلى سلامٍ

يهدمُ جدرانَ الحزن.

في نسيمِ حضورك

يضحكُ القلب،

وتستيقظُ الروح

على بهاءِ حقيقةٍ نقيّة،

حتى وإن تأخرَ الحلمُ

النائمُ في الأعماق.

المسافةُ هواءٌ وارتواء،

حين أتنفّسُ ملامحك،

فلا أُبصرُ سوىك.

أتحسّسُ فيك الجمالَ بالجمال،

فيغنّي الطيرُ لشغفي،

وتورقُ الأشجارُ

في جهاتِ الروح.

ــــــــــــــــــ'ندي عبدالله'

ليل العروبة بقلم الراقية رفا الأشعل

 ليلُ العروبةِ ..

(البحر البسيط )


ينثالُ حرفي يواسي يحمل العتبَا

ويندبُ المجد والعزّ الّذي ذهبَا


ساد الجدود زمانا أبهروا أمماً 

بنوا حضارتهم إرثاً ومكتسبَا


واليوم نحنُ أضعنا مجدَ أمّتنَا

مجدُ أضاءَ ويسمو للعلا طلبَا


صرحُ العروبةِ همْ أرسوا دعائمَهُ

أرسوا عُلُوما وأحيوا الفنّ والأدبَا


سلوا المعارك من أبلى بساحتها

منْ جادَ بالرّوحِ قربانا إذا وجَبَا


أمسى السّكوتُ على العدوانِ شيمتنا

صوتُ الكرامةِ في أعماقنا اضطربَا


لو أنّ فينَا بقايا من كرامتنا 

لما قبلْنَا منَ الإذلالِ ما كتبَا 


لا دينَ يجمعنَا .. لا علمَ يرفعنا 

وكم نتوهُ وهذا الوهن قدْ غلبَا


كأنّ لمعًا من الأوهامِ يخدعنَا

فنستطيبُ من الأحلامِ ما كذِبَا


نسعى وراء سرابٍ ليس ندركهُ

نمشي على النّارِ فيها أضرموا الحطبَا


نارُ الحروبِ كبركانٍ قد اندلعتْ

والغدر يعصف مجنونّا وقدْ غضبَا


كم انتظرنا ضياء الفجر يدركنا 

ليلُ العروبةِ داجٍ فجرهُ احتجبَا


ليلٌ يطولُ أما يرجى شروق غدٍ

يعيدُ بعضاً منَ المجدِ الّذي سُلِبَا


أُلوذ بالشّعر علّ الحرفَ يوقظهمْ

ليذكروا العزّ والإرثَ الّذي نُهِبَا


مهما قسا زمن والقهرُ يلفحنا

مازالَ نزّ من الآمالِ ما نضبَا


                 رفا رفيقة الأشعل

                         (تونس )

في مدى اللحظة وما بعدها بقلم الراقي بوعلام حمدوني

 في مَدى اللحظة وما بعدها


على أرصفة الرؤى البِكر،

وعند شرفات الفجر المتمرد،

تشتعل الأنفاس،

تطحن في جوفها رماد المواجع،

لتنفخ الروح في جسد الحياة.


وتحت سماءٍ غسلتْ عينيها بالضوء،

تذوب أشباح البارحة في البعيد،

تاركةً للخطوات قناديل من سَنا.


الأبجدية اليوم تتنفس عِطراً،

وتنتشي بخمرة الوجد،

صوب غدٍ نغازل ملامحه.

والريشة بين الأنامل صوفيّة الارتجاف،

تتأهب لعناقٍ أبديّ،

مع ثغرِ الصباح الذي استردَّ بسمته.


وثمّة ميثاقٌ سريّ يُكتب الآن،

بين المدى اللامتناهي وأعماقنا،

حيث كل نبضة تغدو مَجرةً من ياقوت.


والحرف يلامس بخفّة الطير،

شواطئ السكينة العذراء،

يرتشفُ شَهد الوقت المحض،

مُلقياً خلفه قناع الرتابة الرمادي.

وفي أوركسترا النور الغامر،

يكسر الجناح قضبان المستحيل.


فلم يعد للمدى جدران،

والزمنُ المزهوّ بنفسه يترجل عن صهوته،

لتُبحر الروح كعصفورٍ فكَّ قيدَه.


وما بعد اللحظة التي تهاجر كغيمة،

حين يرقص في الحاضر وقعُ خُطانا،

مغسولاً من غبار السأم والأغلال،

ما عاد في الكون سجنٌ يتّسع لنا،

ولا حبلٌ يشدنا إلى الأرض،

نحو أفقٍ يمتدُّ.. بلا نهاية.


بوعلام حمدوني

خدك شعاع الشمس بقلم الراقي مصطفى أحمد المصري

 خدُّكِ شعاعُ الشمسِ

والطرفُ سيفٌ باتَ في الأحشاءِ مَشْحُونا

والثغرُ مِن كأسِ المُدامةِ لي غِنىً

والخصرُ ناداني فبتُّ حزينا


يا منْ لِقلبٍ هامَ في ليلِ الجوى

وَالروحُ تلهثُ خلفَ ظِلِّكِ عاشقا

أتُراكِ تعلمينَ بأنَّ نارَ الحُبِّ في

قلبي تشبُّ كأنها الإكليلا؟


خدَّاكِ فجرٌ للشعاعِ تفتَّحتْ

زهرَ الحياةِ، فما لِعيني مَطْمَحُ

وَالريحُ تحملُ مسكَهَا في نفحةٍ

فالعطرُ يسألُ: منْ سواكِ يفوحُ؟


يا أختَ نورِ القمرِ البادي دُجىً

وَالشمسِ حينَ تلوحُ ثمَّ تلوحُ

ما أحلى نُهَاكِ إذا تضيقُ مَوَاقِفٌ

وَيَضِيقُ صدرُ العاشقِ المفتوحُ


فاسْكُبي ضياءَ الخدينِ لي وَحْدِي دَنَفاً

واسْكُبي في مسامعي تَوْبِيخَكِ الْمَشْحونَ باللومِ المُباحِ

فالعشقُ ليسَ يبالي بالمنى مَلَلاً

ولِحُبِّكِ العَيْنَانِ صارتْ تَنْتَحِي


صدقيني: خدُّكِ البسامِ لي دنيا

وَالشمسُ في خدَّيكِ عادتْ تَنْزِفُ الأفراحَا

بقلمي مصطفى أحمد المصري

لا تعبثي بقلم الراقي محمد. احمد المقصري

 لا تعبثي فالحب ليس قرار

الحب حتم ماله معيار


فلتحفظي روح المودة بيننا

في يوم لا تنفع به الأعذار


ولتخفضي جنح التفاهم قبل 

أن تتساقط الأوراق كالأمطار


ولتأخذي كل المواقف جانبا

لا تلعبي فمشاعري إعصار 


ولتدركي حجم الخطورة إنما

ثمن المحبة باهظاً وضمار


فلتهدئي قبل الرياح تسوقنا

ما بين ذراتٍ وبين غبار


بقلمي أ.محمدصالح المصقري 🇾🇪

بين جدار وذكرى بقلم الراقية رحاب طلعت شلبي

 《 بـيـنَ جدارٍ وذكــرىٰ 》


أهفو لدارٍ لستُ ساكنها 

وودتُ لو دامَ اللُقا فيها 


مُذ ودعتني ورُمتُها شجناً

ارجو الفرارَ الهجر والتيها 


ثملٌ وقد أفضىٰ لـكأسـتهِ 

نضبَتْ وجفّ السحرُ من فِيِها 


وبـَصُرتُ بالأبوابِ كمْ رقماً 

ونقوشُه ضاعتْ معانِيها 


شابتْ معالمُ قبلَ مولدِها 

ورسائلٌ هجرتْ مراسيها 


شاخَت رياضُ البيتِ من وهنٍ 

 جـفّـت عيونٌ من مـآقـيـها 


تلك الديـارُ وطُوِقت ألـقـاً

في السعدِ والأحزانِ راعيها 


أبوابُـنـا بـالبـابِ مُـلصـقـةٌ

لـم ندر أيُّ الدارِ نـأتـيـها 

 

يصحوُ الصغارُ وحارَ مضجعهم

وبـأي مـهـدٍ مـن ليـالـيـها 


والعمدٌ شاهدةٌ وقد فَـرِحَت  

ذكـرىٰ تـؤرقُـنا وتُدمِـيـها 


أسرارُنا بالحوضِ موضعها  

بسذاجةِ الأطفالِ نخفيها

#رحاب_طلعت_شلبى

آكل شفتي بقلم الراقي سعيد العكيشي

 آكل شفتيَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعبتُ… من لحن البنادق وتغريد الرصاص،

من حشرجةِ النوم في عيونِ الخوف


من صباحات تأتي فيها الغربانُ متأبِّطةً نعيقَها، وتعلِّق جرحًا غائرًا 

على مسمارِ الانتظار،

ثمّ تأتي الشمسُ

تعلّمني

كيف أفكُّ أزرارَ الوجع من قمصانِ النهارات


من مساءاتٍ 

يجرّني الصمتُ فيها إلى وجعي،

كأنّني حقيبةٌ نسيها السفرُ في محطةِ ريح

كلّما حاولتُ فتحَ خرابي طار منّي حلمٌ

بأجنحةٍ مكسورة


تعبتُ من التسكّع في شوارعٍ لا تقودُ

إلّا إلى موائدَ فاخرة تمدُّ ألسنتَها

من خلف الزجاج، وتتركني آكلُ شفتيَّ


تعبتُ من طفلٍ داخلي يصطادُ العصافيرَ

بخيطِ بكاء ،كلّما أمسك عصفورًا

تحوّلَ في يده إلى شفرة يغرسها 

في وسادتي ثمّ يطير


أحيانًا

أشعرُ أنّ قلبي تُركَ في غابةٍ مهجورة،

فتبنّاه الحزنُ داخل صدري.

كلّما فتحتُ نافذةً في جدارِ الأمل،

دخل قطارٌ من التعب يجرُّ خلفه 

صدى الغياب


أغلقها،

فتخرجُ من ذاكرتي صفحاتٌ مهترئة

مبلّلةٌ بالتيه:

صفحةٌ

تنامُ فيها سمكةٌ مصلوبة 

على جدارِ الغرق،

صفحةٌ

تدخّنُ فيها الرغبةُ سجائرَ كآبة،

وتنفخُ القلقَ دوائرَ حول رأسي،

وصفحةٌ

كانت أمّي تخبّئ قلبي فيها.

كلّما حاولتُ تمزيقها خرج صوتُ أمّي

يهمس:

”سيكبرُ قلبك…“


لكنّ قلبي لم يكبر،

ظلَّ نصفُه ينبحُ في المرايا،

ونصفُه الآخر حفرةً عميقة

تسقطُ فيها السنوات، ولا أسمعُ ارتطامها.


  سعيد العكيشي / اليمن