مَعْلَقَةُ الْمَرْأَةِ… نَبْضُ الْحَيَاة
⸻
أَمِنْ ذِكْرِ مَجْدِ المَرْءِ بِالأَمْسِ حَائِرِ
وَمِنْ أَثَرٍ لِلْفَضْلِ فِي القَلْبِ سَائِرِ؟
وَقَفْتُ بِرَسْمِ النُّبْلِ أَسْأَلُ صَمْتَهُ
أَفِي النَّاسِ بَعْدَ الأُمِّ مِثْلُ المَفَاخِرِ؟
وَهَلْ تُنْبِتُ الأَيَّامُ مَجْدًا مُؤَثَّلًا
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الأَصْلِ حِضْنُ العَنَاصِرِ؟
دِيَارٌ لَهَا فِي الرُّوحِ وَشْمٌ مُقِيمُهُ
وَفِي السَّمْعِ أَصْوَاتُ الدُّعَاءِ الطَّوَاهِرِ
هُنَالِكَ لَاحَتْ لِي الْمَرَاةُ كَأَنَّهَا
صَبَاحُ الرُّبَى فِي مُقْلَتَيْ كُلِّ نَاظِرِ
هِيَ الأُمُّ: لَوْ هَاجَ الزَّمَانُ بِصَرْفِهِ
تَلَقَّتْهُ بِالثَّبْتِ الجَلِيِّ الصَّوَابِرِ
وَلَوْ ضَاقَ فَجُّ العَيْشِ ضَمَّتْ بَنِيهَا
إِلَى صَدْرِهَا ضَمَّ الشِّعَابِ لِهَاجِرِ
إِذَا جَاعَ قَوْمٌ أَشْبَعَتْ مِنْ صَبَابَةٍ
وَإِنْ عَرِيُوا كَسَتْهُمُو مِنْ مَشَاعِرِ
وَإِنْ سَكَنَتْ بَيْتًا أَقَامَتْ عِمَادَهُ
عَلَى الحِلْمِ وَالتَّقْوَى وَصِدْقِ السَّرَائِرِ
وَإِنْ أَقْبَلَتْ بِنْتًا تَبَسَّمَ وَجْهُنَا
كَأَنَّ الثُّرَيَّا صُبَّتِ ابْنَةَ سَاحِرِ
وَإِنْ قِيلَ هَذِي الأُخْتُ قُمْنَا لِذِكْرِهَا
قِيَامَ الوُفِيِّ لِعَهْدِهِ المُتَظَاهِرِ
وَإِنْ هِيَ زَوْجٌ كَانَ فِي البَيْتِ أُنْسُهُ
وَرَوْحُ الرَّخَاءِ، وَزِينَةُ المُتَعَاشِرِ
بِهَا يُدْرَكُ السَّكْنُ الكَرِيمُ، وَإِنَّهَا
لَرَوْضُ مُنًى فِي قَلْبِ كُلِّ مُسَافِرِ
وَمَا البَيْتُ إِلَّا جِدَارَاتُ تُرْتَجَى
إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ يَدُ المَرْءِ صَابِرِ
هِيَ المَدْرَسَةُ العُظْمَى، إِذَا مَا تَفَتَّحَتْ
عَلَى العِلْمِ أَخْرَجَتْ فُحُولَ المَنَابِرِ
وَكَمْ أَنْبَتَتْ مِنْ عَالِمٍ وَمُهَذَّبٍ
وَمِنْ فَارِسٍ مَحْمُودِ ذِكْرِ المَآثِرِ
وَكَمْ صَاغَتِ الأَخْلَاقَ فِي نَشْءِ أُمَّةٍ
فَصَارُوا كَغَيْثٍ فِي الزُّرُوعِ البَوَاكِرِ
وَإِنْ هَزَّتِ المَهْدَ الصَّغِيرَ فَإِنَّهَا
تُزَلْزِلُ صَرْحَ الظُّلْمِ هَزَّ الجَبَابِرِ
وَلَيْسَتْ بِضَعْفٍ لَيْنُهَا، بَلْ حَكِيمَةٌ
تَلُوذُ بِرَأْيٍ مُحْكَمِ العَقْلِ خَابِرِ
تَرَاهَا إِذَا مَا الأَزْمُ شَمَّرَ لِلْوَغَى
أَشَدَّ ثَبَاتًا مِنْ حُسَامٍ مُشَاهِرِ
وَإِنْ سَالَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهَا فَإِنَّهُ
يَصُوغُ حُصُونَ الصَّبْرِ صَوْغَ الجَوَاهِرِ
لَهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ ذِكْرٌ مُقَدَّسٌ
يُجَلِّي مَقَامَ الفَضْلِ فِي كُلِّ عَاصِرِ
وَفِي سُنَّةِ المُخْتَارِ نُورٌ مُبَيِّنٌ
بِأَنَّ الرِّضَا فِي بِرِّهَا غَيْرُ خَاسِرِ
ثَلَاثًا أَعَادَ الاسْمَ، حَتَّى كَأَنَّهُ
يُقِيمُ لَهَا فِي المَجْدِ رَفْعَ المَنَابِرِ
فَمَنْ رَامَ فِرْدَوْسًا وَحُسْنَ عَاقِبَةٍ
فَدُونَ يَدَيْهَا فَلْيَخِرَّ لِشَاكِرِ
أَيُحْسَبُ مَجْدُ القَوْمِ فِي السَّيْفِ وَحْدَهُ
وَلَمْ يَرَعَوا فَضْلَ الحَوَاضِنِ وَالحَوَاضِرِ؟
فَكَمْ مِنْ فَتًى أَعْيَا الكُهُولَ تَجَلُّدًا
بَدَأْنَا بِهِ مِنْ دَعْوَةِ الأُمِّ سَاحِرِ
وَكَمْ مِنْ أَدِيبٍ مَلْءَ سَمْعِ زَمَانِهِ
تَرَبَّى عَلَى لَحْنِ الحَنَانِ الشَّوَاعِرِ
وَكَمْ مِنْ أَمِيرٍ لَمْ يُقَوِّمْ خُطَاهُ إِلَّا
يَدٌ رَبَّتْ الأَخْلَاقَ رَبَّ المَفَاخِرِ
إِذَا ذُكِرَتْ حَرْبٌ وَيَوْمٌ كَرِيهُهُ
فَلِلْمَرْءِ فِيهَا صَوْلَةُ المُتَظَاهِرِ
تُدَاوِي، وَتَسْقِي، وَهْيَ تَحْمِلُ صَبْرَهَا
كَحَمْلِ الرَّوَاسِي فَوْقَ مَتْنِ البَحَائِرِ
وَتَرْفَعُ فِي وَجْهِ الخُطُوبِ لِوَاءَهَا
وَتَمْضِي بِقَلْبٍ غَيْرِ وَانٍ وَفَاتِرِ
وَمَا هِيَ زِينَاتُ المَجَالِسِ فَحْسْبُهَا
وَلَا اللَّفْظُ فِي التَّشْبِيبِ عِنْدَ الشَّوَاعِرِ
وَلَكِنَّهَا بُنْيَانُ مَعْنًى مُشَيَّدٌ
وَأَصْلُ الرُّؤَى، وَالمَبْدَأُ المُتَكَاثِرِ
هِيَ الرَّأْيُ إِنْ عَزَّ الرِّجَالُ بِحِكْمَةٍ
وَهِيَ الحِلْمُ إِنْ هَاجَ السَّفِيهُ بِثَائِرِ
وَهِيَ البِرُّ، وَالإِحْسَانُ، وَالعَهْدُ، وَالتُّقَى
وَسِرُّ التَّنَاهِي فِي العُلا وَالمَآثِرِ
إِذَا مَا أَرَدْنَا أَنْ نُقِيمَ حَضَارَةً
بَدَأْنَا بِتَعْلِيمِ الفَتَاةِ البَصَائِرِ
فَإِنْ صَلَحَتْ نَفْسًا وَعِلْمًا وَهِمَّةً
تَوَالَتْ عَلَى الأَعْقَابِ خَيْرُ العَشَائِرِ
وَإِنْ أُهْمِلَتْ شَاءَ الزَّمَانُ بِأَهْلِهِ
إِلَى خَلَلٍ يَسْرِي سُرَى السُّمِّ فِي السَّرَائِرِ
فَلَا تَجْعَلُوهَا مُتْرَفًا فِي خِطَابِكُمْ
وَلَا تَحْصُرُوهَا فِي حُلِيٍّ وَمَظَاهِرِ
لَهَا الحَقُّ فِي عِلْمٍ، وَعِزٍّ، وَحُرْمَةٍ
وَأَمْنٍ مَصُونٍ مِنْ أَذًى وَمَخَاطِرِ
وَلَهَا أَدَبُ التَّقْدِيرِ، لَا مِنَّةَ امْرِئٍ
وَلَكِنْ وِفَاءُ الحَقِّ لِلْمُتَفَاخِرِ
فَيَا يَوْمَها العَالَمِيَّ، إِنَّا لِنُشْهِدُ
بِأَنَّكِ بَدْرُ المَجْدِ بَيْنَ الدَّوَائِرِ
أَنَّكِ رُوحُ البَيْتِ، بَلْ رُوحُ الأُلَى
إِذَا اسْوَدَّ وَجْهُ الدَّهْرِ وَاخْضَلَّ شَاعِرِي
أَنَّكِ أُمُّ النُّورِ، يَا بِنْتَ الهُدَى، وَيَا
أُخَيْتَ الرُّبَى، يَا زَوْجَةَ المُتَآزِرِ
وَيَا مَنْ بِهَا يَحْلُو الجَمَالُ مُهَذَّبًا
وَيَرْقَى الوُجُودُ إِلَى مَدَىً غَيْرِ قَاصِرِ
سَلَامٌ عَلَيْكِ، وَالسَّلَامُ مُقَلَّدٌ
قَلَائِدَ فَخْرٍ فِي النُّحُورِ النَّوَاضِرِ
سَلَامٌ عَلَى صَبْرِ الأُمُومَةِ، إِنَّهُ
أَجَلُّ مِنَ التِّيجَانِ فَوْقَ المَفَاخِرِ
سَلَامٌ عَلَى بَذْلِ الأُخُوَّةِ، وَالْوَفَا
وَعَلَى حَيَاءِ الطُّهْرِ فِي وَجْهِ سَاتِرِ
سَلَامٌ عَلَى مَنْ أَخْرَجَتْ مِنْ رِحَابِهَا
رِجَالًا كِرَامًا كَالنُّجُومِ الزَّوَاهِرِ
سَلَامٌ عَلَى المَرْأَةِ الغَرَّاءِ مَا بَقِيَتْ
بِلَادٌ، وَمَا غَنَّى الحَمَامُ الشَّوَاجِرِ
فَإِنْ سُئِلَ التَّارِيخُ: مَنْ سِرُّ مَجْدِنَا؟
أَجَابَ: هِيَ المَرْأَةُ العُلْيَا بِآخِرِ
⸻
السيد عبدالملك شاهين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .