الأقنعة...
حين يغتربُ الوجهُ عن نفسه ...!
نص بقلم د.عبدالرحيم جاموس
لا نولد بأقنعة،
بل بوجوهٍ عارية من الحيلة،
صادقةٍ حتى حدّ الدهشة...
لكن العالم،
منذ خطواتنا الأولى،
يهمس لنا بما ينبغي أن نكونه،
لا بما نحن عليه...
وهكذا،
نتعلّم،دون إعلان ،
فنّ التخفي...
نصنع قناعًا للقبول،
كي لا نُرفض...
وقناعًا للقوة،
كي لا نُكسر...
وقناعًا للامبالاة،
كي لا ينكشف ضعفنا...
ثم نضيف إليها،
مع كل تجربة،
طبقةً أخرى،
حتى تتراكم ...
الوجوه فوق الوجه،
ويغدو الأصلُ باهتًا…
كذكرى بعيدة...
ليست الأقنعة ...
خطيئةً في ذاتها،
فهي أحيانًا دروعُ نجاة،
نتّقي بها قسوة العالم ...
واندفاعه...
لكن الخطر :
يبدأ ...
حين تتحول من وسيلةٍ عابرة ...
إلى إقامةٍ دائمة،
حين لا نخلعها ...
حتى في عزلتنا،
وحين نخاف ...
أن نرى أنفسنا بلاها...
هناك،
في تلك المسافة الخفية ...
بين ما نُظهر وما نُخفي،
يتكوّن اغترابٌ صامت...
نؤدي أدوارنا بإتقان،
نُجيد الانسجام مع التوقعات،
نحصد القبول وربما الإعجاب،
لكننا في العمق ،
نشعر بأننا لم نُرَ حقًا،
لأن ما رآه الآخرون…
لم يكن نحن...
نضحك بملامح مُتقنة،
لكن الضحكة لا تبلغ القلب...
ونحزن بصمتٍ ثقيل،
لأن الحزن لا يجد ...
وجهًا يعترف به ...
نعيش حياةً مزدوجة:
واحدةٌ تُعرض،
وأخرى تُخفى،
وكلتاهما تبتعدان،
شيئًا فشيئًا،
عن تلك البساطة الأولى ...
التي خرجنا بها إلى العالم...
والأشدّ قسوة،
أننا مع الوقت ...
ننسى أن لنا وجهًا أصليًا...
نلتبس على أنفسنا،
نتساءل :
في لحظات الصدق النادرة:
من أنا، إذا خلعتُ كل هذا...؟
وأيّ صوتٍ في داخلي…
هو صوتي حقًا...؟
ليست الشجاعة
أن نحطم الأقنعة...
دفعةً واحدة،
فذلك انكشافٌ
قد لا نحتمله،
ولا يحتمله العالم من حولنا...
لكن الشجاعة الحقيقية
أن نُخفّف منها،
أن نسمح لوجوهنا...
أن تتنفس
بين حينٍ وآخر،
أن نعيد التعارف
مع أنفسنا
بلا وسطاء...
أن نقول كلمةً صادقة،
ولو خالفت الدور...
أن نعترف بشعورٍ حقيقي،
ولو أربك المشهد...
أن نختار
في لحظةٍ واحدة على الأقل ،
أن نكون…
لا أن نُمثّل...
ففي النهاية،
ليست المأساة
أن نرتدي أقنعةً كثيرة،
بل أن نرحل ...
دون أن نلتقي ...
بوجوهنا الحقيقية...
هناك فقط،
حين نستعيد ملامحنا،
ولو متأخرين،
ندرك :
أن أثمن ما في الحياة
لم يكن القبول،
ولا الإتقان،
بل ذلك الصدق البسيط ...
الذي كدنا نفقده
ونحن نحاول أن نكون ...
أيّ شيءٍ…
إلا أنفسنا...
د.عبد الرحيم جاموس
الرياض
1/4/2026 م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .