أمي…
لا أذكر أنني رأيتُ الجمال يومًا منفصلًا عنها،
كأن الله حين وزّع النقاء على نساء الأرض
اختار قلبها ليكون الميزان.
أمي ليست الأجمل فحسب،
بل هي الطُّهرُ حين يمرّ خفيفًا بين الناس،
والصدقُ حين لا يحتاج إلى قسمٍ ليُصدَّق.
لم أجد على هذه الأرض امرأةً تشبهها… أبدًا،
وكأنها خُلقت مرةً واحدة،
ثم أغلق الله بعدها باب التكرار.
إذا نظرتُ في وجهها… رأيتُ نورًا،
نورًا لا يشبه إلا القلوب التي تعبت بصمتٍ
وأحبّت دون أن تنتظر شيئًا.
وإذا حدّثتُها…
وصلني كلامها عذبًا نقيًا،
كنهرٍ صافٍ في أيام الربيع،
يمرّ على الروح فيغسل تعبها،
ويترك فيها خضرةً لا تذبل.
لم أسمع صوتها يومًا مرتفعًا،
ليس لأنها لا تغضب،
بل لأنها كانت أرقّ من أن تؤذي الهواء بكلمة،
وكأن الحنان كان لغتها الوحيدة،
واللطفُ وطنها الذي لا تغادره.
كان الثوب الأسود رفيق دربها،
في فرحها كما في حزنها،
كأنها كانت تعرف أن الحياة
لا تُقاس بالألوان… بل بالقلوب.
ولم تنم يومًا
إلا وهي طاهرة،
كأن الليل نفسه كان يستحي
أن يلامس روحًا بهذا الصفاء.
اسمُها فاطمة أمي… وهي أمي،
ولا يأتي الاسمُ وحده،
بل تمشي معه سكينةٌ خفيّة،
كأنها ظلُّ شجرةٍ في قيظ العمر.
فاطمة أمي…
ليست حروفًا تُقال،
بل معنى يُعاش،
هي التي تفطمُ القلبَ عن قسوته،
وتعيده طفلًا
كلما أثقلته الأيام.
حين تُنادى: يا فاطمة أمي،
لا يُستدعى جسدٌ فقط،
بل يُستدعى تاريخٌ من الطهر،
وهمسُ أمٍّ كانت تمسح عن العالم وجعه،
وذكرى فاطمة الزهراء
حين كانت تمشي… فيمشي النور معها.
في اسمها شيءٌ من الانقطاع،
لكنّه ليس انقطاع الفقد،
بل انقطاع النجاة…
كأنها فُطمت عن النار،
وفُطم قلبها عن الضغائن،
فصارت خفيفةً
كدعاءٍ في آخر الليل.
فاطمة أمي…
حين تبتسم،
تخجل الحروف من قسوتها،
وحين تحزن،
يتعلّم الحزن كيف يكون نقيًا.
هي ليست امرأةً فقط،
بل حالة…
قطرةُ صفاءٍ في زمنٍ معكّر،
وهدوءُ بيتٍ
حين تضجّ المدن بالصخب.
أمي…
هي الحكاية التي كلما كبرتُ
اكتشفتُ أنني لم أفهمها بعد،
وأن كل ما فيّ من خير
كان ظلًّا صغيرًا لها.
فيا رب…
كما جعلتها أجمل نساء الأرض في عيني،
اجعل الجنة دارها،
واجعلني بها من البارّين،
ما حييت.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .