بين العاشرة والستين
في داخلي طفلٌ صغيرٌ لم يزلْ
حيًّا، ويوقظُ في المدى ما قد ذبلْ
يمشي بخفّةِ أوّلِ الأحلامِ في
روحي، ويزرعُ في مساحاتِ الأملْ
ويظنُّ أنَّ العمرَ نهرٌ ضاحكٌ،
وأنَّ دربَ العمرِ مفروشٌ بظلْ
ويعدُّ نجمًا في السماءِ كأنّه
سيظلُّ يلمعُ، لا أفولَ ولا أجلْ
وأنا أراهُ إذا تبسّمتُ اختبأ
في مقلتيَّ، وإن تعبتُ به اكتملْ
هذا أنا...
طفلُ العاشرةِ الذي
ما زالَ في صدري، وإن طالَ الرَّحلْ
لكنَّ مرآتي إذا لاقيتُها
ألقتْ عليَّ من الحقيقةِ ما نزلْ
قالتْ: تمهّلْ... إنَّ دربَكَ لم يعدْ
بكرًا، ولا وجهُ الزمانِ هو الأوّلْ
العمرُ يجري، والسنونُ سريعةٌ
مثلُ الغمامِ، إذا تدفّقَ ثم زالْ
واليومَ لم يبقَ الكثيرُ، فانتبهْ،
فالستّونَ تقتربُ اقترابًا لا يُقالْ
فوقفتُ بين طفولتي ووقارِ ما
عشتُ، أسائلُ: كيف ضاعَ بي السؤالْ؟
كيف انثنى هذا الطريقُ ولم أزلْ
أمشيه مثلَ الحالمِ الحرِّ الجَسورْ؟
كيف الذينَ أحبُّهم مرّوا هنا،
ثم اختفوا؟ كيف انطفأ ذاكَ الحضورْ؟
أينَ الوجوهُ الطيّباتُ؟ وأينَ مَن
كانوا إذا ضاقتْ بنا الدنيا، نُصُورْ؟
أينَ البيوتُ، ورائحةُ الخبزِ التي
كانتْ تُهدّئُ في المساءِ بنا الفتورْ؟
أينَ الحكاياتُ القديمةُ حينما
كانتْ تُطرّزُ بالطمأنينةِ الشعورْ؟
وأينَ صوتُ الأمِّ، حينَ يضمُّني
دفءُ الدعاءِ، فأستريحُ من الكسورْ؟
وأينَ ذاكَ الأبُ الوقورُ إذا مشى،
مشتِ الطمأنينةُ التي تشفي الصدورْ؟
مضتِ الوجوهُ، وما مضى أثرُ الأسى
من القلبِ، لكنْ صارَ يعلّمني الصبورْ
علّمتني الأيامُ أنَّ خسائرًا
تأتي لتفتحَ في الشقوقِ لنا عبورْ
وأنَّ بعضَ الكسرِ ليس مذلّةً،
بل قد يكونُ بدايةً لمعانقِ النورْ
وأنَّ بعضَ الصمتِ أصدقُ حكمةً
من ألفِ قولٍ زائفِ المعنى يدورْ
وأنَّ كلَّ محبّةٍ لا تنتهي
بالصدقِ، تبقى مثلَ أوراقٍ تثورْ
قد مرَّ بي فرحٌ، ومرّتْ غصّةٌ،
وتعلّمتُ من انكساري كيفَ أثورْ
أنا لستُ ابنَ سنواتي وحدها،
بل ابنُ ما صهرتْ تجاربُها الشعورْ
أنا من بكى، ثم استعادَ توازنهُ،
أنا من هوى، ثم استقامَ من الفتورْ
أنا من رأى الأيّامَ تُسقطُ وردةً،
فأعادَ زرعَ الحقلِ، وانتظرَ الزهورْ
واليومَ، إذ أُصغي إلى نبضي، أرى
أنَّ المسافةَ بينَ عمري والسرورْ
ليستْ بطولِ العمرِ،
بل بالذي
أبقيتُه في القلبِ من معنىً طهورْ
إنّي أحبُّ العمرَ، لا لأنّهُ
أعطى، ولكنْ لأنّهُ منحَ الشعورْ
علّمنيَ التخفيفَ:
أن أمضي، ولا
أُبقي على كتفيَّ ما يُدني الفتورْ
علّمنيَ التسليمَ:
أنَّ اللهَ ما
أخذَ الجميلَ من الحياةِ بلا حضورْ
لكنْ ليُرجعَ قلبَنا نحو الرضا،
ويقولَ: عندي ما يبدّدُ كلَّ جورْ
ما بينَ طفلٍ في العاشرةِ اختبأ
في الروحِ،
ورجلٍ تدنّى من مشارفِه العبورْ
أمشي، وفي قلبي امتنانٌ هادئٌ،
أنّي عرفتُ من الحياةِ مدى الخُطورْ
إن كان لم يبقَ الكثيرُ من المدى،
فالقلبُ ما دامَ المضيءَ، هو الجسورْ
والروحُ إن بقيتْ نقيّةَ سرِّها،
فالعمرُ ليسَ بما يُعَدُّ من الشهورْ
العمرُ ما زرعتْ يداكَ من المدى،
وما تركتَ من المروءةِ والعطورْ
وما مشيتَ به كريمًا صابرًا،
تمضي، ويشهدُ في خطاكَ لكَ المسيرْ
سيقولُ وجهي ما حكاهُ زمانُهُ،
لكنَّ ما في الروحِ أبقى من ظهورْ
في داخلي طفلٌ يلوّحُ ضاحكًا،
ويقولُ: لا تخشَ الوصولَ، ولا الفتورْ
فالسنُّ يمضي...
غيرَ أنَّ جميلةً
روحًا عرفتْ اللهَ لا تخشى المصيرْ
عاشور مرواني
شاعر وأديب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .