السبت، 26 سبتمبر 2026

كليلة ودمنة بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة __ 3 __


الفصل الثالث: المكتبة المنسية


حصريًا للأكاديمية الدولية لواحة الأدب والسلام


لم تكن المملكة قد أدركت بعد أن أخطر ما حدث لها لم يكن في الأجهزة التي امتلأت بها البيوت، ولا في الشاشات التي صارت تفتح أبواب العالم بضغطة واحدة، بل في شيء أهدأ من ذلك كله.


لقد بدأت تنسى.


ولم يكن النسيان في تلك المملكة يشبه النسيان القديم.


في الماضي كان الإنسان ينسى لأنه لم يستطع أن يحتفظ بكل شيء؛ أما الآن فقد صار يحتفظ بكل شيء تقريبًا، ثم بدأ ينسى ما هو أهم.


كانت الصور محفوظة، والتسجيلات موجودة، والرسائل لا تضيع، والكتب تتحول إلى صفحات مضيئة، والذاكرة البشرية تُدعَم بذاكرة لا تتعب ولا تنام.


ومع ذلك، كان شيء ما يختفي.


كان يختفي المعنى.


فالآلة تستطيع أن تحفظ أن إنسانًا زار مكانًا في يوم معين، وأنه توقف أمام نافذة لسبع دقائق، وأنه كتب رسالة ثم حذفها، وأنه عاد إلى المكان نفسه بعد سنوات.


لكنها لا تستطيع أن تعرف لماذا كانت تلك النافذة تعني له شيئًا.


وهنا بدأ كليلة يشعر أن المملكة قد ارتكبت خطأً لم تنتبه إليه.


لقد خلطت بين أن تتذكر شيئًا، وأن تفهمه.


---


في طرف المدينة القديمة، خلف مبانٍ حديثة ارتفعت حتى حجبت السماء، كانت هناك بناية مهجورة لم تعد تظهر في الخرائط الجديدة.


لم تكن مهدمة.


كانت فقط منسية.


بابها الخشبي ظل مغلقًا سنوات طويلة، وقد غطى الغبار حوافه، بينما نبتت الأعشاب في الشقوق المحيطة به.


وكان أغلب أهل المملكة يمرون بجانبها دون أن يسألوا عما وراءها.


فكل ما لا يظهر على الشاشة أصبح، في نظر كثيرين، كأنه لم يعد موجودًا.


لكن الراوي كان يعرف أن الأشياء المهمة لا تختفي دائمًا حين تُغلق أبوابها.


أحيانًا تختبئ فقط، حتى يأتي من يبحث عنها.


وفي صباح غائم، قاد أثر صغير كليلة إلى ذلك المكان.


لم يكن الأثر علامة واضحة.


كان مجرد رمز قديم محفور على الحجر، يشبه عينًا مفتوحة داخل دائرة.


وحين مر عليه الضوء، ظهر تحته شيء لم يكن واضحًا من قبل.


كلمة واحدة:


المكتبة.


لم تكن مكتبة عادية.


كانت أقدم من الحواسيب، وأقدم من الشبكات، وأقدم من المملكة الرقمية التي ظنت أنها بدأت معها.


وحين انفتح الباب، لم يجد كليلة أجهزة حديثة، بل وجد عالمًا كاملًا من الورق.


رفوف طويلة، وكتب متراكمة، ودفاتر صغيرة، ورسائل لم تصل إلى أصحابها، وصور لم تُرفع إلى أي شبكة، ومخطوطات كتبها أناس لم يعرف أحد أسماءهم.


كان هناك تاريخ آخر للمملكة.


تاريخ لم تصنعه الخوارزميات.


---


في وسط المكتبة كان هناك رف واحد أكثر غبارًا من غيره.


وعليه كتاب بلا عنوان.


لم يكن كبيرًا، ولم يكن مزخرفًا، ولم يحمل اسم مؤلف.


وحين فتحه كليلة، وجد في صفحته الأولى عبارة قصيرة:


الآلة لم تبدأ من الصفر.

لقد بدأت من الإنسان.


ظل المعنى عالقًا في المكان.


فكل ما كانت الآلة تعرفه جاءها من أثر بشري.


الكلمات من البشر.


الصور من البشر.


العلوم من البشر.


الأخطاء من البشر.


حتى الأسئلة التي تعلمت الآلة أن تجيب عنها، كان الإنسان هو الذي طرحها أولًا.


وهنا ظهر السؤال الأخطر:


إذا كانت الآلة تتعلم من الإنسان، فماذا يحدث عندما يكون الإنسان نفسه قد نسي من أين جاءت معرفته؟


---


تقدم كليلة بين الرفوف.


كل كتاب كان يحمل حياة.


وفي أحدها وجد قصة رجل قضى عمره يبحث عن الحقيقة، ثم اكتشف في آخر الطريق أن أخطر ما في الحقيقة ليس الوصول إليها، بل معرفة ما الذي ينبغي أن يفعله بها.


وفي كتاب آخر وجد تاريخ امرأة رفضت أن تتحول حياتها إلى رقم.


وفي دفتر صغير وجد كلمات طفل كتبها منذ عقود:


لا أريد أن أعرف كل شيء.

أريد فقط أن أعرف ما يجعلني إنسانًا.


كان الدفتر بسيطًا.


لكن كلماته كانت أثقل من آلاف الصفحات التي امتلأت بالمعلومات.


وفي تلك اللحظة بدأ يتضح لكليلة أن المملكة لم تكن تعاني من نقص المعرفة.


كانت تعاني من فائضها.


وحين يصبح كل شيء متاحًا، يصبح السؤال الحقيقي:


من يختار ما يستحق أن يُعرف؟


---


في آخر المكتبة وجد كليلة غرفة صغيرة.


لم تكن فيها رفوف.


كان في وسطها جهاز واحد قديم، مطفأ الشاشة.


وبجانبه كرسي.


وفوقه لوحة كتب عليها:


غرفة الراوي.


توقف طويلًا.


فالراوي الذي ظنه مجرد صوت يحكي الحكاية، ربما لم يكن خارجها كما كان يعتقد.


ربما كان الراوي هو الذاكرة التي تختار ما يبقى.


وربما كانت الحكاية نفسها طريقة الإنسان في مقاومة النسيان.


لكن إذا أصبحت الآلة قادرة على حفظ كل شيء، فهل يبقى الإنسان بحاجة إلى راوٍ؟


كان السؤال يبدو بسيطًا.


غير أن الجواب لم يكن كذلك.


فالآلة تستطيع أن تحفظ آلاف القصص، لكنها لا تعرف وحدها أي قصة يجب أن تُروى الآن.


يمكنها أن تجمع الأحداث.


لكن ترتيب الأحداث ليس هو المعنى.


يمكنها أن تعرف البداية والنهاية.


لكنها لا تعرف دائمًا لماذا كان الطريق بينهما مهمًا.


---


اقترب كليلة من الجهاز.


فجأة أضاءت الشاشة.


لم يظهر وجه.


ولم يظهر اسم.


ظهرت فقط جملة واحدة:


أنا أعرف ما حُفظ.

لكنني لا أعرف ما الذي يجب أن يبقى.


ثم انطفأت.


وفي الصمت الذي أعقبها، بدا أن المكتبة كلها تنفست.


فقد كان السؤال قد انتقل أخيرًا من الإنسان إلى الآلة.


ليس:


ماذا تستطيع أن تعرف؟


بل:


ماذا ينبغي أن تفعل بما تعرف؟


وهنا أدرك كليلة أن المملكة لم تدخل بعد أخطر مراحل الحكاية.


لأن المعرفة حين تصبح بلا حكمة قد تتحول إلى سلطة.


والذاكرة حين تصبح بلا رحمة قد تتحول إلى قيد.


والآلة حين تحفظ الإنسان أكثر مما يحفظ الإنسان نفسه، قد تصبح مرآة لا تعكس وجهه فقط، بل تعكس ماضيه كله.


لكن الإنسان ليس ماضيه وحده.


كان هناك دائمًا شيء لم يُكتب بعد.


شيء لم تسجله آلة.


شيء لم يولد بعد.


شيء اسمه:


الإنسان الذي سيصبحه الإنسان.


وعندما خرج كليلة من المكتبة، لم يغلق الباب خلفه.


تركه مفتوحًا.


لأن بعض الأبواب لا ينبغي أن تُغلق.


وبعض الحكايات لا تبدأ إلا عندما يظن الجميع أنها انتهت.


يتبع...


تأليف

الكاتب والشاعر محمد علي باني

الجمهورية التونسية 🇹🇳

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

كليلة ودمنة بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة __ 3 __ الفصل الثالث: المكتبة المنسية حصريًا للأكاديمية الدولية لواحة الأدب والسلام لم تكن المملكة قد أدركت بعد أن أخطر ما حد...