الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

عابرة المدى واليقين بقلم الراقية حورية جمال

 عابرةُ المدى واليقين


بقلمي: حورية جمال 


خلفي غبارُ المدنِ المنكسرة، وأمامي رصيفٌ يمتدُّ ككفٍّ بلا أصابع.

وقفتُ وحدي، أزنُ ثقلَ العالمِ بحقيبةِ أمنياتٍ مجهدة،

اللوحاتُ بيضاء، والقطاراتُ إشاعةٌ كاذبةٌ تداولَها الخائفون،

كان الفراغُ يلتهمُ المدى، يُغري بالالتفاتِ والندم.


تجمّعوا حولَ ظلي، رجموني بنصائحِهم الباردة:

"عودي.. الدربُ ذئبٌ جائع، والغيبُ لا يرحمُ الغريبات".

لمْ أُجِبْ.. نقرتُ الأرضَ بعصايَ نقرةَ العارفة،

ونظرتُ إلى الفراغِ لا كجدارٍ يَسدُّ أنفاسي،

بل كمساحةٍ بكرٍ تنتظرُ خطوتي، لأطرزَ عليها بدمي أولَ المسير.


أرخيتُ روحي للريح، وخطوتُ..

وفي تلك اللحظة، انشقتِ الأرضُ عن زئيرِها المكبوت،

تزلزلتِ المَجازاتُ تحتَ قدميّ، ومادتِ الجبالُ السبعُ في عينيّ،

انفجرَ الكونُ هلعاً، لكنّي وقفتُ كجذرِ نخلةٍ عتيقة.

لم ألتفتْ للأرضِ وهي تميد، فالأمانُ ليسَ صخرةً أستندُ إليها،

الأمانُ.. طمأنينةُ قلبٍ يغردُ، بينما الغصنُ ينكسرُ تحته.


مع كلّ غرسةِ قدمٍ في الترابِ العاري، كان الدربُ يولدُ من عدم.

لم يكنْ ممهداً، أنا من عجنَ طينَهُ بجرأتي فاستقام،

أنا من بذرَ الضوءَ في عتمتِهِ فاشتعل،

التفتُّ وراءي، فرأيتُ الضبابَ ينتحرُ عندَ حافةِ خطوتي الأخيرة،

وعرفتُ.. أنَّ الطرقاتِ لا تُفتحُ للواقفين، بل تُخلقُ للسالكين.


وعندَ منتهى الأفق، عثرتُ على صندوقِ الغدِ المغلق،

مكتوبٌ عليه بلغةِ السر: "مستقبلكِ هنا".

مددتُ أناملي، لامستُ قفلَهُ الساخن، وثارتْ في عروقي شهوةُ الكشف،

لكنّي تراجعتُ.. وقبّلتُ الغيبَ وتركتُهُ مُغلقاً،

فأيُّ طعمٍ لرحلةٍ نَعرفُ خاتمتَها قبلَ البداية؟

وأيُّ معنى للإقدامِ والتوكلِ إنْ كان الغدُ عارياً وواضحاً؟


مضيتُ أحرثُ رملَ الأيامِ بكفيّ، كأنّي صانعةُ القدَر،

أعملُ بقلبٍ يظنُّ أنَّ كلَّ شيءٍ بيده،

وفي عتمةِ المحراب، أرفعُ كفيَّ الخاليتينِ كحمَامتينِ بيضاوين،

أنفضُ عني تعبَ الأسبابِ، وأتوكلُ بقلبِ من يعلمُ أن لا شيءَ بيده..

وأنَّ الأمرَ كُلَّهُ.. لله.


بقلمي: حورية جمال

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

كليلة ودمنة بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة إلى القارئ أيها القارئ العزيز... قبل أن تفتح الصفحة الأولى، لا تسألني من كتب هذه الحكاية. ولا تسألني أين تقع المملكة التي ستدخل...