الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

تشريح دولة لم تكتمل بقبل الأثوري محمد عبد المجيد

 (اليمن من الجمهورية إلى المقبرة)

تشريح دولة لم تكتمل


المقدمة


سألت شيخاً تجاوز الثمانين في قريةٍ لا تظهر على الخرائط: "كيف كان اليمن أيام الإمام؟"


صمت طويلاً، كأنه يستعيد جثةً. ثم قال بصوتٍ يشبه الصخر: "كنا فقراء، لكننا كنا نعرف عدونا. أما الآن، فلا نعرف حتى من نحن."


في تلك الجملة وُجدت اليمن كلها: أزمة هوية سبقت أزمة الدولة، وأزمة معرفة بالذات سبقت أزمة المؤسسات. وهذا الكتاب محاولة لفهم كيف انتقلت هذه الأزمة، عبر عقود، من سؤال في نفس شيخ قروي إلى انهيار دولة بأكملها.


لم تبدأ المقبرة يوم سقطت صنعاء.


كان القبر يُحفر منذ وقت أبكر، بصمت، كلما ضعفت مؤسسة أمام شخص، وكلما أصبح الولاء طريقاً إلى الوظيفة، وكلما صار القانون قابلاً للتفاوض، وكلما حملت الدولة اسم الجمهورية بينما بقيت علاقتها بالمواطن أقرب إلى علاقة السلطة بالرعية.


لهذا فإن حرب اليمن التي انفجرت في 2015 ليست بداية الحكاية، كما أن سقوط صنعاء في سبتمبر 2014 ليس لحظتها الوحيدة. تلك كانت لحظات الانكشاف. أما الانهيار الحقيقي فكان أطول من ذلك بكثير.


كانت الجمهورية موجودة في الدستور، وفي المؤسسات، وفي الانتخابات، وفي الأعلام والخطابات. لكنها لم تستطع، طوال عقود، أن تتحول بالكامل إلى دولة حديثة تقف فوق الأشخاص والجماعات ومراكز النفوذ.


كانت هناك مؤسسات، لكن المؤسسات لم تكن دائماً أقوى من الذين يمسكون بها. وكان هناك جيش، لكن الولاءات الشخصية والسياسية والمناطقية والقبلية ظلت تتداخل مع بنيته. وكانت هناك انتخابات، لكن الانتخابات لم تكن وحدها قادرة على إنتاج سلطة لا تحتاج إلى شبكات النفوذ لحماية نفسها.


وبين الدولة التي كان يفترض أن تكون، والدولة التي كانت موجودة فعلاً، اتسعت المسافة.


في تلك المسافة نشأت المظالم.


في الجنوب، تراكمت جراح ما بعد الوحدة والحرب وإعادة ترتيب السلطة والثروة. وفي صعدة، تحولت صراعات سياسية ودينية ومحلية إلى حروب متتابعة. وفي مناطق أخرى عاش الناس سنوات من التهميش وضعف الخدمات والفقر والبطالة وغياب العدالة، حتى أصبح المواطن يرى الدولة في كثير من الأحيان من خلال ما تمنعه عنه أو ما تعجز عن تقديمه، لا من خلال ما تحميه له.


ثم جاءت 2011.


خرج اليمنيون إلى الشوارع. لم تكن الساحات كلها على قلب رجل واحد، ولم تكن الثورة خالية من الأحزاب والقبائل والتيارات والحسابات المتعارضة. لكنها حملت شيئاً لا يمكن اختزاله في تلك الخلافات: لحظة شعبية واسعة كسرت حاجز الخوف، وفتحت السؤال الذي ظل مؤجلاً طويلاً: هل يمكن أن تصبح الدولة ملكاً لمواطنيها، لا لمن يملك القوة داخلها؟


كان في الساحات شباب لم يروا في النظام القائم مستقبلاً لهم، ونساء لم يعدن يقبلن أن تكون المواطنة حقاً ناقصاً، وموظفون وعمال وفقراء وطلاب ومثقفون وأناس عاديون وجدوا في الاحتجاج فرصة ليقولوا إن حياتهم ليست هامشاً في حسابات السلطة.


لكن الثورة، وهي تفتح الباب، لم تكن تملك وحدها مفاتيح الغرفة التي ستدخل إليها السياسة بعد ذلك.


انتقلت البلاد إلى مرحلة انتقالية معقدة. وُقّعت المبادرة الخليجية في نوفمبر 2011، وانتُخب عبد ربه منصور هادي رئيساً في فبراير 2012، ثم بدأت عملية سياسية واسعة انتهت إلى مؤتمر الحوار الوطني الذي جمع 565 ممثلاً من مختلف القوى والمناطق والتيارات، ووضع تصوراً لدولة اتحادية وديمقراطية وإصلاحات واسعة.


بدت للحظة كأن الجمهورية تحصل على فرصة ثانية.


لكن الفرص السياسية لا تعيش بالنوايا وحدها.


كانت الدولة أضعف من أن تحمي انتقالها، وكانت مراكز القوة القديمة لم تختفِ، وكانت قوى جديدة قد أصبحت أكثر تنظيماً وتسليحاً، وكانت الخلافات التي لم تُحل تتكاثر في الخلفية. وفي منتصف 2014 تصاعد الصراع المسلح، ثم سيطر الحوثيون وحلفاؤهم على صنعاء في سبتمبر من ذلك العام، قبل أن تتسارع الأحداث إلى انهيار العملية الانتقالية واتساع الحرب.


وفي 26 مارس 2015 بدأ التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية بناءً على طلب الرئيس هادي، لتدخل اليمن مرحلة جديدة من الحرب المفتوحة والتدخلات الإقليمية والدولية.


لكن ماذا حدث فعلاً؟


هل كان ما جرى انقلاباً فقط؟ أم ثورة مضادة؟ أم نتيجة مباشرة لعقود من إضعاف الدولة؟


هل كان الحوثيون وحدهم من قتلوا الجمهورية؟ أم أن الجمهورية كانت قد وصلت إلى الحرب وهي تحمل في جسدها أسباباً كثيرة للانهيار؟


وماذا عن علي عبدالله صالح، الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود، وبنى نظاماً أتقن إدارة التناقضات، ثم انتهى به الأمر إلى التحالف مع القوة التي كان قد حاربها سنوات؟


وماذا عن القوى السياسية التي دخلت المرحلة الانتقالية وهي تحمل إرثاً طويلاً من الصراع، ثم عجزت عن تحويل لحظة التغيير إلى دولة مستقرة؟


وماذا عن الجنوب وصعدة، حيث ظلت المظالم تتراكم حتى تحولت من مطالب سياسية إلى هويات متصارعة ومشاريع قوة؟


وماذا عن الخارج، الذي لم ينظر إلى اليمن دائماً باعتباره وطناً لأهله فقط، بل باعتباره أيضاً حدوداً وأمناً وممرات بحرية ونفوذاً إقليمياً وموقعاً استراتيجياً؟


هذه الأسئلة لا تسمح بإجابة مريحة. فالقول إن طرفاً واحداً صنع كل شيء يريحنا من عناء فهم التاريخ، لكنه لا يفسره. وفي المقابل، فإن توزيع المسؤولية بالتساوي بين جميع الأطراف خطأ آخر؛ لأن الذين امتلكوا السلاح والقرار والقدرة على فرض الوقائع ليسوا كالذين عاشوا نتائجها، والذين كانت لديهم القدرة على منع الانهيار ليسوا كالذين كانوا يحاولون النجاة منه.


لذلك لن يبحث هذا الكتاب عن قاتل واحد. سيبحث عن سلسلة القتل. عن اللحظة التي أصبح فيها السلاح أقوى من المؤسسة، والولاء أقوى من القانون، والشخص أقوى من الدولة، والجماعة أقوى من المواطنة.


وسيسأل، قبل أن يصدر أحكامه: كيف وصلنا إلى هنا؟


فالانهيار السياسي لا يحدث في يوم واحد. الدولة لا تموت عندما يسقط مبنى حكومي فقط، ولا عندما يهرب رئيس، ولا عندما تدخل قوة مسلحة مدينة. تموت الدولة قبل ذلك بكثير، عندما يفقد المواطن ثقته بأن القانون يحميه، وعندما تصبح الوظيفة مكافأة للولاء، وعندما يتحول الجيش إلى شبكة مصالح، وعندما تصبح القبيلة أو الحزب أو الجماعة طريقاً أقصر من المؤسسة للحصول على الحق، وعندما يصبح الخارج طرفاً ضرورياً في موازين الداخل.


عندها يصبح سقوط الدولة ممكناً. وعندها لا يحتاج القبر إلى حفّار واحد.


هذا الكتاب ليس دفاعاً عن طرف، ولا مرافعة ضد طرف. إنه محاولة للنظر إلى اليمن من المكان الذي لا يحب السياسيون الوقوف فيه: المكان الذي تتقاطع فيه مسؤولية الحاكم مع أخطاء النخب، ومظالم الجماعات مع أخطاء قياداتها، وتدخلات الخارج مع هشاشة الداخل، وتضحيات المواطن مع عجزه أحياناً عن مقاومة الثقافة التي أبقت السلطة أقوى من الدولة.


سنمر عبر الجمهورية منذ ولادتها، لا لنقول إنها كانت وهماً، بل لنسأل لماذا بقيت ناقصة. وسنقف طويلاً عند علي عبدالله صالح، لا باعتباره تفسيراً وحيداً لليمن، بل باعتباره واحداً من أهم مفاتيح فهم الطريقة التي أُديرت بها الدولة. وسنعود إلى الجنوب وصعدة لنفهم كيف يمكن للمظلمة المؤجلة أن تتحول، مع الزمن، إلى هوية ثم إلى تنظيم ثم إلى قوة مسلحة. وسنقف عند 2011، لا بوصفها صورة رومانسية لربيع عربي، ولا بوصفها مؤامرة مكتملة، بل بوصفها لحظة حقيقية خرج فيها اليمنيون إلى الشارع مطالبين بتغيير علاقة السلطة بالمجتمع. ثم سنصل إلى سبتمبر 2014، وسنسأل بعد ذلك السؤال الأكثر إزعاجاً: من قتل الدولة؟


لكننا لن ننسى أولئك الذين لم يملكوا السلاح أصلاً: النساء اللواتي خرجن إلى الساحات ثم وجد بعضهن أن الطريق إلى القرار أضيق من الطريق إلى الاحتجاج؛ الشباب الذين صنعوا لحظة التغيير ثم وجد كثير منهم مستقبله يتسرب بين الحرب والهجرة والبطالة؛ العمال والمزارعون والموظفون والفقراء الذين لم تكن الدولة بالنسبة إليهم شعاراً سياسياً، بل راتباً وطريقاً ومدرسة وماءً ومستشفى وأرضاً وحقاً في أن يعيش الإنسان من عمله؛ والأطفال الذين لم يعرفوا اليمن إلا من خلال نقاط التفتيش وصوت الطائرات وانقسام الخريطة.


هؤلاء ليسوا هامش الحكاية. إنهم معيارها. فإذا كانت الجمهورية لم تستطع أن تجعل هؤلاء مواطنين متساوين في الحق والكرامة والحماية، فبأي معنى يمكن القول إنها اكتملت؟


هذه ليست قصة دولة ماتت فقط. إنها قصة مجتمع عاش طويلاً وهو يحاول أن يجد دولة تشبهه. ولذلك فإن السؤال الذي يطارد هذا الكتاب من أوله إلى آخره ليس: كيف خسر اليمن الحرب؟ السؤال أقدم من ذلك: لماذا كان اليمن قابلاً لأن تسقط دولته بهذه السرعة؟ ولماذا ظل المواطن، في كل مرة، يدفع ثمن صراع لم يكن هو من بدأه؟ ولماذا كلما اقترب اليمن من بناء دولة حديثة، أعاد إنتاج القوى التي تمنع اكتمالها؟


قد تكون الإجابة مؤلمة. وقد لا تعجب أحداً. لكن الكتاب الذي يخاف من الإجابة لا يستحق أن يُكتب.


لا أريد أن أكتب تاريخاً يوزع البراءة على الجميع. ولا تاريخاً يوزع الإدانة على الجميع. أريد أن أكتب تاريخاً يميز بين من قرر، ومن نفذ، ومن استفاد، ومن قاوم، ومن صمت، ومن اضطر إلى الصمت، ومن دفع الثمن. فالتاريخ العادل ليس الذي يجعل الجميع متساوين في الذنب. التاريخ العادل هو الذي يعطي كل طرف حجمه الحقيقي في صناعة ما حدث.


ومن هنا يبدأ التشريح. ليس تشريح جثة اليمن وحدها، بل تشريح الدولة التي كان يفترض أن تحمي اليمنيين ولم تكتمل.


قد تكون الجمهورية قد وصلت إلى المقبرة. لكن السؤال الذي سيظل مفتوحاً هو: هل ماتت الجمهورية وحدها؟ أم أن شيئاً منها ما زال حياً تحت الركام؟ وإذا كان هناك شيء لم يمت بعد، فهل نستطيع أن نخرجه من بين الحجارة قبل أن ندفنه نحن بأيدينا؟


---


صنعاء، 2026


#الأثوري_محمد_عبدالمجيد_نعمان_2026

#اليمن_من_الجمهورية_إلى_المقبرة

#اليمن

#كتاب

#تاريخ_اليمن

#قراءة

#كاتب_يمني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

كليلة ودمنة بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة إلى القارئ أيها القارئ العزيز... قبل أن تفتح الصفحة الأولى، لا تسألني من كتب هذه الحكاية. ولا تسألني أين تقع المملكة التي ستدخل...