الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

كليلة ودمنة بقلم الراقي محمد علي باني

 كليلة ودمنة


إلى القارئ


أيها القارئ العزيز...


قبل أن تفتح الصفحة الأولى، لا تسألني من كتب هذه الحكاية.


ولا تسألني أين تقع المملكة التي ستدخلها.


فقد تبحث عنها طويلًا في خرائط العالم، ثم تكتشف أنها أقرب إليك مما تظن.


---


هذه ليست حكاية تُروى لتخبرك بما حدث.


إنها حكاية تُروى لتسألك عما يمكن أن يحدث.


---


كان الإنسان قديمًا يجلس حول النار، فيحكي عن الأسد والثعلب والغراب والحمار، ويجعل من الحيوان مرآة يرى فيها نفسه.


كان الحيوان يتكلم في الحكاية، لكن الذي كان يتكلم في الحقيقة هو الإنسان.


كان يخاف السلطة، ويبحث عن الحكمة، ويخطئ في الاختيار، ويحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله.


---


أما اليوم، فقد تغيرت الأشياء.


لم تعد الحكايات تُروى حول النار وحدها.


أصبحت الشاشات تحيط بنا.


وأصبحت الآلات تحفظ ما ننساه، وتبحث عما نجهله، وتقترح علينا ما قد نريده، بل وتحاول أحيانًا أن تتوقع ما سنفعله قبل أن نفعله.


---


وهنا يبدأ السؤال:


إذا كانت الآلة تتعلم من الإنسان... فماذا تتعلم عنه؟


وإذا استطاعت أن تتوقع اختياراته...


فهل تستطيع أن تختار عنه؟


وإذا عرفت عنه أكثر مما يعرف عن نفسه...


فهل تصبح مالكة لحقه في نفسه؟


---


لا تدخل هذه الحكاية وأنت تبحث عن عدو.


فالآلة ليست شريرة.


والإنسان ليس بريئًا دائمًا.


والتكنولوجيا ليست خلاصًا مطلقًا، وليست خطرًا مطلقًا.


إنها أداة.


وككل أداة قوية، فإن قيمتها لا تتحدد فقط بما تستطيع أن تفعله، بل بما يختار الإنسان أن يفعله بها.


---


في هذه الحكاية ستجد كليلة، الذي ينظر إلى الأشياء من وراء ظاهرها، ويبحث عن الحكمة التي لا تظهر في الأجوبة السريعة.


وستجد دمنة، الذي لا يكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟ بل يريد أن يعرف: لماذا حدث؟ ومن أين بدأ؟


وستجد الأسد، الذي يحمل السلطة، ثم يكتشف أن السلطة ليست امتلاكًا للناس، بل أمانة تجاههم.


وستجد الطائر الحكيم، حارس الذاكرة، الذي يعرف أن بعض ما يجب أن نتذكره قد يصبح خطرًا إذا تحول إلى سجن.


وستجد الآلة، التي تبدأ وهي تتعلم من الإنسان، ثم تكتشف أن أعظم ما يمكن أن تتعلمه ليس كيف تعرفه، بل كيف تحترم حدوده.


وستجد طفلًا يحمل القلم، لأنه يمثل الإنسان الذي لم يكتب مستقبله بعد.


ثم ستجد نفسك أنت.


---


نعم...


أنت.


---


لأن هذه الحكاية لا تكتمل بالشخصيات وحدها.


إنها تحتاج إلى قارئ.


قارئ لا يكتفي بأن يعرف ما حدث، بل يسأل:


ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانهم؟


هل أقبل أن تختار الآلة عني؟


هل أتنازل عن بعض حريتي مقابل الراحة؟


هل كل ما أستطيع معرفته يحق لي أن أعرفه؟


هل كل ما أعرفه يحق لي أن أستخدمه؟


هل الماضي الذي أخطأت فيه يجب أن يبقى سجنًا لي؟


وهل أستطيع أن أغير نفسي حتى لو كانت كل الآلات تتوقع أن أبقى كما كنت؟


---


ستجد في هذه الحكاية الذاكرة.


لكنها ليست حكاية عن الماضي فقط.


وستجد المعرفة.


لكنها ليست حكاية عن المعلومات فقط.


وستجد السلطة.


لكنها ليست حكاية عن الملوك وحدهم.


وستجد الحرية.


لكنها ليست حكاية عن رفض كل شيء.


---


إنها حكاية عن المسافة الدقيقة بين القدرة والمسؤولية.


فقد تستطيع أن تفعل شيئًا، ولا يعني ذلك أنه ينبغي لك أن تفعله.


وقد تستطيع أن تعرف شيئًا، ولا يعني ذلك أن من حقك استخدامه.


وقد تستطيع أن تتوقع المستقبل، ولا يعني ذلك أنك تملك حق كتابته.


وقد تستطيع الآلة أن تساعدك، ولا يعني ذلك أن تمنحها حق أن تعيش حياتك بدلًا منك.


---


ستمر الحكاية أمامك بأسئلة كثيرة.


بعضها ستجد له جوابًا.


وبعضها سيقودك إلى سؤال آخر.


وهذا مقصود.


فالحكاية التي تعطيك كل الأجوبة قد تنتهي عند آخر صفحة.


أما الحكاية التي تمنحك سؤالًا صادقًا، فقد تبدأ في داخلك بعد أن تغلق الكتاب.


---


ولذلك لا تتعجل.


لا تبحث عن الشرير.


ولا تبحث عن البطل.


ابحث عن الإنسان.


---


ستجده في كليلة.


وفي دمنة.


وفي الأسد.


وفي الطائر.


وفي الطفل.


وفي الآلة.


وربما...


في نفسك.


---


وهذه الحكاية ليست نسخة من الحكاية القديمة، وإن كانت تستلهم روحها في استخدام الرمز والحيوان والحكمة.


إنها حكاية جديدة، تنظر إلى زمن جديد.


زمن أصبحت فيه الذاكرة خارج الذاكرة.


والمعلومة أسرع من التفكير.


والصورة قد تسبق الحقيقة.


والتوقع قد يؤثر في القرار.


والآلة تتعلم من الإنسان كل يوم.


---


لكن السؤال القديم ما زال حيًا:


كيف يبقى الإنسان إنسانًا حين تصبح الأشياء من حوله أقدر منه في بعض ما يصنع؟


---


ربما يكون الجواب في القلم.


ليس لأن القلم أقوى من الآلة.


بل لأن الإنسان هو الذي يمسكه.


---


وربما يكون الجواب في الصفحة البيضاء.


لأن الصفحة البيضاء تقول شيئًا بسيطًا:


المستقبل لم يُكتب بعد.


---


ولهذا، حين تصل إلى آخر الحكاية، لا تبحث عن كلمة:


النهاية.


فقد لا تجدها.


قد تجد بدلًا منها كلمة أخرى.


كلمة صغيرة.


لكنها تحمل كل ما جاء قبلها، وكل ما سيأتي بعدها.


---


ابدأ


---


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم

نبض الحنين به وارتد ملتهما


الكاتب والشاعر محمد علي باني

تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .

أنين المشاعر بقلم الراقي رشيد أكديد

 "أنين المشاعر" يا خافقي لا تلمني على حظي العاثر الناس في رغد وحالك لا يسرّ ناظري ما بك تحنّ لبنات الدهر وفيك العوج أينما حللت يصب...