الأحد، 5 أبريل 2026

مدرسة الراشد للوعي النفسي والإنساني بقلم الراقي حسين عبدالله الراشد

 مدرسة الراشد للوعي النفسي والإنساني


حين يسعى الإنسان إلى تحقيق ذاته… ولا يشعر أنه وصل

في ضوء أثر الامتنان والوعي الذاتي في تحقيق الذات والرفاهية النفسية


ليست المشكلة أن الإنسان لا يصل،

بل أنه يصل… ولا يشعر.


وهذه إحدى أكثر الإشكالات خفاءً في التجربة الإنسانية؛ أن يتحقق الشيء في الواقع، ولا يكتمل أثره في الداخل.


في هذا المسار، لا يُفهم تحقيق الذات بوصفه إنجازًا خارجيًا فحسب، بل بوصفه حالة من الاتساق الداخلي، يشعر فيها الإنسان أنه يتحرك من ذاته لا هروبًا منها، وأن ما يحققه في الخارج يجد صداه في داخله، لا أن يمر عليه وكأنه لم يكن.


ما نراه اليوم أن كثيرًا من الناس يسيرون في الطريق الصحيح، لكنهم لا يعيشون نتائجه. يتعلمون، يعملون، ينجحون، ينتقلون من مرحلة إلى أخرى، لكنهم يحملون شعورًا مستمرًا بأنهم لم يصلوا، أو أنهم متأخرون، أو أن ما لديهم لا يكفي.


هنا لا يكون الخلل في الطريق، بل في الإدراك.


هذا الخلل لا يأتي من فراغ، بل يتشكل غالبًا من ثلاث حالات تتكرر عند الإنسان دون أن ينتبه لها؛ أولها أنه يربط قيمته بما لم يصل إليه بعد، فيفقد القدرة على رؤية ما تحقق فعلًا، وثانيها أنه يعيش تحت تأثير مقارنة دائمة تسرق منه إحساسه بما لديه، وثالثها أنه ينتقل من هدف إلى آخر دون أن يمنح نفسه لحظة إدراك أو تقدير، فيتحول السعي من دافع للنمو… إلى حالة مستمرة من الشعور بالنقص.


ولهذا، فإن كثيرًا من الأفراد لا يفشلون في تحقيق ذواتهم، بل يفشلون في الإحساس بها.


ولنأخذ مثالًا حيًا يتكرر كثيرًا: شاب بدأ حياته العملية بوظيفة بسيطة، وكان يحلم بالاستقرار، وبعد سنوات من العمل والاجتهاد حصل على وظيفة أفضل، وتحسنت حياته بشكل واضح، لكن بعد فترة قصيرة بدأ يشعر أن ما لديه عادي، وأنه لم يحقق شيئًا مهمًا، وبدأ يقارن نفسه بغيره، ويعيش نفس الإحساس القديم بعدم الاكتفاء.


في هذه الحالة، لم يتراجع واقع الشاب، بل تراجع إدراكه له.

هنا يظهر دور الامتنان، لا بوصفه سلوكًا إيجابيًا بسيطًا، بل كأداة تعيد توجيه وعي الإنسان، فتجعله يرى ما لديه بوضوح، لا أن يمر عليه وكأنه أمر عابر، فيتحرر من الإحساس المستمر بالنقص، ويستعيد توازنه بين ما تحقق وما يسعى إليه.


كما يظهر دور الوعي الذاتي، الذي لا يجعل الإنسان يفهم نفسه فقط، بل يراقب طريقة تفكيره وتقييمه لذاته، فيدرك كيف ينتقل من إنجاز إلى آخر دون أن يمنح نفسه لحظة إدراك حقيقية، فيعيد بناء علاقته بذاته على أساس أكثر صدقًا واتزانًا.


ولهذا، فإن الوعي لا يطلب من الإنسان أن يتوقف، بل أن يتوقف لحظة… ليرى. أن يراجع ما تحقق بصدق، وأن يعترف به، وأن يمنح نفسه حق الشعور به، لأن ما لا يُدرك… لا يُبنى عليه.


تحقيق الذات لا يتحقق حين نضيف المزيد إلى حياتنا فقط، بل حين نُحسن رؤية ما فيها.


ومن هنا، لا يكون الحل في التوقف عن الطموح، ولا في الاكتفاء بما تحقق، بل في أن يتعلم الإنسان كيف يسعى… دون أن يفقد إحساسه بما وصل إليه.


لأن أخطر ما يمكن أن يعيشه الإنسان، ليس أن يفشل في الوصول، بل أن يصل… ويبقى يشعر أنه لم يصل.


في مدرسة الراشد، لا يُقاس تقدم الإنسان بما يحققه فقط، بل بقدرته على أن يشعر بما حققه… وهو في طريقه.


✍️ حسين عبدالله الراشد

محاضر وباحث في الوعي النفسي والإنساني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .