بين الفرح والحزن تمرد الانسان ...
وحبه للحياة.
في لحظاتٍ بعينها، حين تضيق بنا الأرض بما رحبت، أو حين تتسع قلوبنا حتى تلامس السماء، نكتشف شيئًا غريبًا: أننا — رغم اختلافاتنا، قسوة طباعنا، وصراعاتنا اليومية — نصبح كيانًا واحدًا.
قلبٌ واحد يخفق، ودمعةٌ واحدة تسقط، وضحكةٌ واحدة ترتفع كأنها صلاة.
حين يداهمنا الألم، لا نسأل من أنت، ولا ماذا تحمل من خلافاتٍ قديمة، بل نقترب.
نضع أيدينا فوق أكتاف بعضنا، كأننا نحاول أن نمنع السقوط الجماعي في هاوية الفقد.
في لحظة المرض، لا يعود الجسد جسد فرد، بل يصير هشاشتنا جميعًا.
وفي لحظة الفقد، لا يعود الحزن حزن شخص، بل يصبح مرآةً نرى فيها نهاياتنا المؤجلة.
وحين يأتينا الفرح — ذلك الزائر الخفيف — نتصالح، نضحك، نتعانق، كأننا لم نختلف يومًا، وكأن القلوب لم تتشقق تحت ضغط الحياة.
لكن، ما إن تنقضي تلك اللحظات، حتى نعود…
نعود إلى ذواتنا الضيقة، إلى حساباتنا، إلى صراعاتنا الصغيرة التي نظنها كبيرة.
نعود إلى عالمٍ يتبدّل فيه الميزان، فيُبرَّر الخطأ باسم الحاجة، ويُهمَّش الصواب حين يعارض الرغبة.
وهنا، في هذا التناقض تحديدًا، يولد شيءٌ أعمق: تمرد الإنسان على الحياة… ومن أجلها.
في قلب الحياة، حيث لا قوانين ثابتة سوى التغيّر، يولد التمرد كصرخةٍ لا يسمعها أحد.
ليس تمردًا على الآخرين فقط، بل على الضعف، على الفقر، على الخوف، على فكرة أن يكون الإنسان مجرد عابر.
يحب الإنسان الحياة حبًا غريزيًا، عنيفًا، متشبثًا بكل ما فيها.
يتعلق بها كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة، لا لأنها عادلة دائمًا، بل لأنه لا يملك غيرها.
ومن هذا الحب تحديدًا، يبدأ الصراع… ويبدأ التناقض.
يسعى، يركض، يلهث خلف أهدافه الدنيوية، يريد أن يصل، أن يثبت أنه كان هنا، أنه لم يكن رقمًا منسيًا.
لكن الطريق ليس دائمًا نقيًا كما تخيّله في بداياته.
في لحظةٍ ما، يتسلل التبرير…
وفي لحظةٍ أخرى، يتحول الكذب إلى وسيلة، والنفاق إلى قناع، والتنازل إلى ضرورة.
لا يحدث هذا دفعةً واحدة، بل بهدوءٍ خادع، كقطرة ماءٍ تنحت صخرة الصدق.
يقول لنفسه: “هذه هي الحياة… ومن لا يتقن لعبتها، تأكله.”
وهكذا، يتحول من باحثٍ عن معنى، إلى لاعبٍ في ساحةٍ لا تعترف إلا بالنتائج.
يبتسم حيث يجب أن يغضب،
يمدح حيث لا يؤمن،
ويصمت حين يكون الصمت خيانةً لروحه.
ليس لأنه وُلد كذلك، بل لأنه خاف…
خاف أن يخسر، أن يتأخر، أن يكون صادقًا في عالمٍ يكافئ الأقنعة.
ومع كل ذلك، حين يعود الحزن، يعود معه شيءٌ من الحقيقة…
نعود بشرًا، نواسي، نشعر، نلين.
وحين يعود الفرح، نعود أنقياء للحظة، نحب بلا حساب، ونتعانق بلا شروط.
فهل هذا نفاق؟
أم أنه ضعف الإنسان حين يتأرجح بين ما يؤمن به وما يضطر إليه؟
نحن لا نكذب حين نبكي معًا، ولا حين نضحك معًا…
لكننا ننسى.
ونسيان الحقيقة هو ما يجعلنا نتغير، نتبدل، ونرتدي ما لا يشبهنا.
وهنا يقف الإنسان بين حقيقتين:
حقيقة أنه يحب الحياة بصدق،
وحقيقة أنه أحيانًا يخون هذا الحب حين يحوّله إلى صراعٍ بلا ضوابط.
أيّ حياةٍ هذه التي نتمسك بها حتى ونحن نفقد أنفسنا من أجلها؟
وأيّ انتصارٍ هذا الذي نحققه ونحن نترك أجزاءً منا خلفنا في الطريق؟
وربما أعظم ما في هذه الحكاية، ليس اجتماعنا في الحزن أو الفرح،
ولا تمردنا من أجل البقاء،
بل تلك اللحظة النادرة التي نواجه فيها أنفسنا كما هي…
حيث لا أعذار، ولا أقنعة،
حيث يدرك الإنسان أن تمرده الحقيقي،
ليس أن يصل بأي وسيلة…
بل أن يصل،
وهو ما زال يشبه نفسه.
د.مقبول عزالدين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .