الخميس، 30 أبريل 2026

سربال الغياب بقلم الراقي عاشور مرواني

 سِربالُ الغياب


لا تسألِ البابَ عنّي،

فالخشبُ صارَ يتذكّرُ أكثرَ منّي،

والمفتاحُ الذي نامَ في جيبي

أنبتَ شجرةً من العَتَب.


كنتُ أمشي،

وكان الطريقُ يلبسُ نعشي،

ثم يضحكُ كطفلٍ أضاعَ أباه.


في مَهَبِّ الغيابِ،

رأيتُ قلبي معلّقًا

على حبلِ غسيلِ السماءِ،

تأكلهُ عصافيرُ من زجاج،

وتقولُ له الريحُ:

لا تَخفْ،

كلُّ المكسورينَ يصيرونَ نوافذ.


تَسَرْبَلْتُ بالوحدةِ،

لا قميصًا يدفئني،

ولا درعًا يردُّ الطعنةَ،

بل سِربالًا من رمادٍ،

كلّما خِطتُهُ بالدمعِ

اتّسعَ الجرح.


يا صاحبي الذي خانَني

بوجهٍ كان يشبهُ الطمأنينة،

كيف استطعتَ أن تضعَ الملحَ

في فمِ الوردة؟

كيف أقنعتَ السكينَ

أنها يدٌ للمصافحة؟


هنا،

حيثُ الصدقُ إذا ماتَ

تُطفئُ الشمسُ مصباحَها

وتدخلُ المقبرةَ حافيةً،

تصيرُ الحياةُ غرفةً بلا جدار،

والضحكةُ تابوتًا صغيرًا

نحملهُ في الحنجرة.


رأيتُ العمرَ طاحونةً،

لكنها لا تطحنُ القمح،

تطحنُ أسماءَ الذينَ أحببناهم،

وتنثرُهم فوقَ الخبزِ

كي نأكلَ الندمَ كلَّ صباح.


لا تقلْ: رحلوا.

فالراحلونَ الحقيقيون

يتركونَ وراءهم ظلًّا.

أمّا الذين خانوا،

فيأخذونَ حتى الظلَّ،

ويتركونَ لنا

شكلَنا واقفًا

بلا صاحب.


يا وحشةَ اليدِ

حينَ تفتّشُ عن يدٍ

فتجدُ حفرة.

يا وحشةَ العينِ

حينَ تنظرُ في المرآة

فترى شخصًا

كان يثقُ أكثرَ ممّا ينبغي.


أنا الآنَ

لا أبكي،

بل أُدرّبُ الدمعَ

على المشيِ دونَ صوت.

لا أكره،

بل أُعلّمُ قلبي

أن يخلعَ السربالَ القديم،

وأن ينامَ عاريًا

إلا من الحقيقة.


وفي آخرِ الليل،

حينَ يمرُّ الغيابُ

مرتديًا معطفَ أمّي،

أفتحُ له الباب،

أضعُ له كأسًا من الصمت،

ثم أقولُ:

اجلسْ قليلًا،

لقد صرنا عائلةً واحدة.


عاشور مرواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .