حِينَ يُصْبِحُ الغِيَابُ وَطَنًا
يُقَالُ إِنَّ الرَّحِيلَ بَابٌ يُغْلَقُ،
لَكِنِّي كُلَّمَا أَوْصَدْتُهُ
تَسَرَّبَ مِنْ شُقُوقِهِ صَوْتُكَ.
لَا شَيْءَ يُشْبِهُ غِيَابَكَ،
حَتَّى أَنَا—
صِرْتُ غَرِيبًا عَنِّي،
كَأَنِّي ظِلٌّ
نَسِيَ صَاحِبَهُ تَحْتَ شَمْسٍ بَعِيدَةٍ.
أَمُدُّ يَدِي لِلْوَقْتِ
فَيَلْدَغُنِي،
وَأَحْسَبُ أَنَّ الصَّبْرَ يُنْقِذُنِي
فَإِذَا بِهِ
يُطِيلُ الغَرَقَ.
كُنْتُ أُؤْمِنُ
أَنَّ القَلْبَ يَتَعَلَّمُ النِّسْيَانَ،
كَمَا تَتَعَلَّمُ الطُّرُقُ
نِسْيَانَ أَقْدَامِ العَابِرِينَ،
لَكِنَّ قَلْبِي—
طَرِيقٌ عَنِيدٌ،
يَحْفَظُكَ
كَمَا لَوْ كُنْتَ أَوَّلَ المَارِّينَ
وَآخِرَهُمْ.
فِي دَاخِلِي
مَدِينَةٌ بِلَا نَوَافِذَ،
كُلُّ شَوَارِعِهَا تُؤَدِّي إِلَيْكَ،
وَكُلُّ أَبْوَابِهَا
تُغْلَقُ حِينَ أَصِلُ.
أُحَادِثُ اللَّيْلَ
فَيَسْأَلُنِي عَنْكَ،
وَأَكْذِبُ—
كَأَنِّي لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ اسْمَكَ،
ثُمَّ أَبْكِي
كَأَنِّي لَمْ أَنْسَ حَرْفًا مِنْهُ.
يَا أَنْتَ—
يَا احْتِمَالِي الأَخِيرَ،
يَا خَطَئِيَ الَّذِي لَا أُجِيدُ تَصْحِيحَهُ،
كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْكَ
اِكْتَشَفْتُ
أَنِّي لَمْ أَكُنْ يَوْمًا خَارِجَهُ.
فَإِنْ رَأَيْتَنِي أَبْتَسِمُ،
فَلَا تُصَدِّقْ،
وَإِنْ رَأَيْتَنِي صَامِتًا،
فَاسْمَعْ—
فَفِي صَمْتِي ضَجِيجُكَ كُلُّهُ.
أَنَا لَا أَهْرُبُ مِنْكَ،
أَنَا أَهْرُبُ إِلَيْكَ،
وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ أَظُنُّنِي نَجَوْتُ،
أَجِدُنِي
أَغْرَقُ فِيكَ
أَعْمَقَ.
بقلم الشاعر
مؤ يد نجم حنون طاهر
العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .