أحلام قديمة
كانت سوسن تقف أمام المرآة أكثر مما ينبغي.
لا لأنها تهتم بجمالها، بل لأنها كانت تحاول أن تتأكد أن ذلك الوجه الذي تعرفه ما زال هناك.
كانت تحدق طويلا، تمرر أصابعها على خدها، كأنها تبحث عن شيء ضاع منها دون أن تشعر.
في أيام الجامعة، لم تكن تفعل ذلك.
كانت خفيفة، تضحك بسهولة، وتؤمن أن الحياة بسيطة بما يكفي لتمنحها ما تريد.
هناك، تعرفت إليه.
لم تكن قصة حب صاخبة، بل بدأت بهدوء… نظرة تتكرر، حديث يطول، واهتمام يكبر دون إعلان.
أحبّته، وأحبها.
وكان ذلك كافيا ليمنح أيامها معنى مختلفا.
حين خُطبت له، شعرت أن العالم استقام أخيرا.
صار للحلم ملامح واضحة، وصارت ترى نفسها في بيت صغير، بقربه، تعيش حياة عادية… لكنها كافية لأن تكون سعيدة.
كانت تتخيّل يوم عرسها كثيرا.
الفستان الأبيض، خطواتها نحوه، وابتسامته التي كانت تحفظها عن ظهر قلب.
لم تكن تطلب أكثر من ذلك.
لكن الحرب، كعادتها، لا تسأل أحدا عما يريد.
في يومٍ عادي، جاءها الخبر.
قيل لها إنه استُشهد.
لم تستوعب الكلمة في البداية.
بدت لها كأنها تخصّ أحدًا آخر، لا حياتها.
لكن مع مرور اللحظات، بدأت الحقيقة تتسرب إليها ببطء، كألم لا يمكن إيقافه.
لم تصرخ.
لم تبكِ كما توقعت.
فقط شعرت أن شيئا في داخلها انكسر…
ولم يُصلح بعدها أبدا.
مرت الأيام، وسوسن تغيّرت.
لم تعد تلك الفتاة التي كانت تملأ المكان بحضورها.
أصبحت أكثر صمتا، أكثر انسحابا، كأنها تعيش بنصف روح.
لكن العالم لا يترك أحدا لحزنه طويلا.
بدأت الكلمات تتكرر حولها:
العمر يمضي، الحياة لا تتوقف، وهذا نصيبك.
كانت تسمع، وتصمت.
وفي كل مرة كانت تحاول أن ترفض، كانت تجد نفسها وحيدة أمام جدار من الإصرار.
لم يكن يُسمح لها أن تختار.
جاءها رجل لا تعرفه، لا يشبهها، ولا يشبه الحكاية التي كانت تعيشها.
لم ترَ فيه شيئا يدعوها للقبول، لكن الرفض كان يحتاج قوة لم تعد تملكها.
وافقت.
في يوم زفافها، كانت ترتدي الأبيض كما حلمت يوما…
لكنها لم تشعر أنها عروس.
كانت تؤدي دورا، تُدفع إلى حياة لا تخصها.
كانت تبحث عنه بين الوجوه… رغم أنها تعرف أنه لن يكون هناك.
بعد الزواج، بدأت حياة جديدة… على الورق فقط.
لم تكره الرجل، لكنه لم يلمس قلبها يوما.
عاشت معه بهدوء، تؤدي ما يُطلب منها، وتلتزم بما يُفرض عليها، دون أن تشعر بأنها جزء حقيقي من تلك الحياة.
كانت تمشي داخل أيامها كأنها تمشي في مكان لا تعرفه.
ومع مرور الوقت، أصبح لديها أطفال.
أحبتهم… بصدق لم تتوقعه.
كانت أمًا حقيقية، تخاف عليهم، تفرح لهم، وتمنحهم كل ما تستطيع.
لكن في أعماقها، كان هناك شعور خفي لا تستطيع الهروب منه.
هؤلاء الأطفال جاءوا من حياة لم تخترها.
لم يكن ذنبهم، ولم يكن ذنبها…
لكن الحقيقة كانت تطرق قلبها بصمت، وتترك أثرها كل مرة.
كانت تجمعهم إلى صدرها، وتضمهم بقوة، كأنها تحاول أن تُقنع نفسها أن كل شيء على ما يرام.
وفي بعض الليالي، حين ينامون، كانت تشعر بثقل غريب…
ثقل حياة كاملة، لم تبدأ يوما بقرار منها.
مرت السنوات، وتغيّر وجهها.
خصلات بيضاء تسللت إلى شعرها، وتجاعيد خفيفة بدأت ترسم ما مرّ بها من زمن.
عادت إلى المرآة كما كانت تفعل قديما…
لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن جمالها.
كانت تسأل نفسها بصمت:
هل هذا أنا؟
لم تجد جوابا.
في الليل، بعد أن ينام أطفالها، كانت تجلس وحدها.
لا تنتظر أحدا، فقد تعلمت أن الانتظار قد يكون عبئا آخر يفرض على الإنسان.
كانت تفكر فقط…
في حياة كان يمكن أن تعيشها،
وفي رجل كان يمكن أن يكون هنا،
وفي فتاة كانت يوما… تشبهها.
أغمضت عينيها لحظة…
فرأت نفسها كما كانت، ترتدي فستانها الأبيض، وتمشي نحوه.
تقدمت قليلا… ثم توقفت.
تذكرت أطفالها في الغرفة المجاورة.
فتحت عينيها ببطء، وعادت إلى مكانها.
لم تعد تحلم كما في السابق.
لم تعد تنتظر.
فقط تعيش…
تعيش حياة لم تخترها،
لكنها أصبحت… حياتها.
بقلمي عبير ال عبد الله 🇮🇶
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .