السبت، 11 أبريل 2026

رسائل الصباح الأخيرة بقلم الراقية هيفاء البريجاوي

 رسائل الصباح الأخيرة


في صباحٍ هادئٍ يسبق الرحيل،

جلس الحاكمُ الجليلُ يكتب… لا أوامر، بل وصايا،

كأنّه يُسلّم قلبه للعالم قبل أن يُسلّم جسده للتراب.


قال:

تعلّموا… فالحياةُ ليست طريقًا محفوظًا،

بل امتحانٌ يتغيّر سؤاله كلّ يوم،

ومن ظنّ أنه فهمها، فاته أن يتواضع لها.


لا تقيسوا أنفسكم بما تملكون،

بل بما تتعلّمونه حين تخسرون،

فالهزيمةُ درسٌ، إن أحسنتم قراءته صار نجاة.


احفظوا ذواتكم،

فليس كلّ ما يُلمع ذهبًا،

ولا كلّ ما يُعرض عليكم نعمة.

كونوا أوفياء لضمائركم،

فإن خانكم كلّ شيء ،لن تخونكم الحقيقة التي تسكنكم.


واختاروا الشريك الذي يُخفّف عن أرواحكم،

لا الذي يُثقلها بصمتٍ موجع،

فالقلوبُ لا تُشفى بمن يُتقن الحضور،

بل بمن يُحسن البقاء.


واعرفوا أن الصداقةَ ليست كلماتٍ تُقال،

بل مواقفُ تُرى،

يدٌ تُمسك بكم حين تسقطون،

لا عينٌ تترقّب لحظة السقوط.


لا تهابوا الشدائد،

فهي التي تكتب معادنكم،

وتُظهر من أنتم… حين تغيب الأقنعة.


وإن هجركم من كنتم تظنّونهم حياة،

فلا تهجروا أنتم ما هو حقيقيّ فيكم،

فالذي فيكم… إن صدق،

أبقى من كلّ الراحلين.


الشمس التي بداخلكم إما أن تحرق حروف 

وجودكم بلا أثر سوى الندم 

أو بكل شدة ، ووجع ولحظة تستحق الوقوف 

تعيدك من جديد لتقرأ الحياة 

تتحول لشمس لا يتكىء العالم على نورها ليصحى .

لتصبح شمسك الأبقى . 

تمنح الدفىء والمعنى 

ليس من كثرة الفوضى ، وأصوات كل ما يلمع ذهبا ، بل بالشدة التي تهذب ، وتأدب القوة ، بيد من رحمة . تتسلل إلى الروح فتعافيها . 

والى القلب لتخبره ، أي حب الأسمى .


سيبقى فيكم نورٌ لا تطفئه عتمة العالم،

إن أنصتم له… قادكم،

وإن أهملتموه… ضللتم ولو أشرقت الطرق.


فكونوا نورًا من داخل،

لا ظلاً لما حولكم،

وازرعوا في دروب الحياة أثرًا يُشبه الرحمة،

فهي اللغة الوحيدة… التي يفهمها الجميع حين يضيعون.


في آخر صباح ٍ له،

لم يكتب الحاكمُ وصايا تُعلَّق،

بل كتب حياةً تُعاش.


قال:

يا من تمضون… لا تبحثوا عن الطريق السهل،

بل عن النفس التي إن سلكته لم تنكسر.


القوةُ ليست أن تغلب،

بل أن تضبط قلبك حين تغضب،

وأن تصمت حين يليق الصمت،

وتقول الحقّ حين يخافه الآخرون.


والصبرُ ليس انتظارًا باردًا،

بل جناحان:

أحدهما احتمالٌ يؤدّب الألم،

والآخر يقينٌ يرى ما لا يُرى.


فإن وجدتَ نفسك في موضعٍ لا يشبهك،

أو مع من يُثقل روحك…

لا تلعن الطريق، بل أعد ترتيب قلبك:

خفّف تعلّقك،

قوِّ صلتك بربّك،

واختر من جديد… بوعيٍ لا باندفاع.


لا تُهدر ذاتك لتُرضي عابرين،

ولا تُطفئ نورك لتنسجم مع عتمة غيرك.


واعلم أن التربيةَ الحقّة

أن تُهذّب نفسك قبل أن تُعلّم غيرك،

وأن تُقيم ميزانك في الخفاء…

قبل أن تطلب العدل في العلن.


ولمن يكون الصبر؟

لمن عرف أن الله يرى،

وأن التأخير ليس نسيانًا،

بل إعدادٌ لما هو أصدق وأبقى.


وإن ضاقت بك السبل،

فلا تتّسع بالشكوى،

بل بالرجوع إلى نفسك… حيث النور الأول.


ثم قال:

ستمرّون بابتلاءاتٍ تكتب أسماءكم في داخلكم،

فإمّا أن تخرجوا منها أنقى،

أو أثقل بما لم تتعلّموه.


فكونوا ممن تهذّبهم الشدائد، لا تكسرهم،

وممن يُعيدون بناء أنفسهم كلما سقطوا… بصدق.


وختم:

إن فيكم نورًا إن أطعتموه… هداكم،

وإن عصيتموه… أضلكم وأنتم تظنّون أنكم تبصرون.


فاحفظوا ذلك النور،

فهو الحقيقة التي لا تغيب،

وهو الجناح… إن صدق، لا ينكسر.

من نحن بضيافة سكرات حياة حكمه 

ليس الحاكم الذي تختبره الحياة 

حينما توليه أمر رعاياه، وترينا حقيقة معانيه 

وصلابة لين قوافيه 

إنما نحن بحضرة الحاكم الذي ولد من رحم التجارب ، وعاش بورع وعين بصيرة ضمير لا يموت .


لا يقرأ المحن كصعوبات ، بل ممرات لمنح هي خفايا التجلي بالصبر، والوعي ،

والحذر من الانجراف إلى عمق لا يرفعك سواك، فاحرص على رفيق الطريق . 


الحاكم الذي نسخ من خيوط سنينه سجادة تسع كل المقيمين وعابري السبيل 

تسع كل تعابير مفاتن الحياة الزائفة 

تسع كل معايير إشباع معاني الحلم ، والرحمة 

هي للفطن قيمة ذاته . بضياع عالم فتن بالغفلة ،طرزت بوجع الحكمةً، وأهواء النفوس التي مرت منها ، فيها شيخوخة الطفولة .

وموائد ها لا تشبع البطون ،

بل تربي النفس ، وتعلم القلب ، وتهذب الروح ، بحكمة حلم عقل قرأ الحياة بضمير الحكمة .


فإّنْ ضلّ بك الطريق يومًا… فلا تنسَ أن فيك بوصلةً لا تخطئ إن صدقت،

وأن النور الذي يُولد من الداخل… لا تُطفئه عتمة العالم مهما اشتدّت.

الكاتب ضمير الأمة 

بحبر يسيل بين كلمات يرددها قلم هيفاء البريجاوي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .