أُمَّةُ المِليارَيْنِ
ظِلٌّ يَتَدَلَّى مِنْ سَقْفِ التَّارِيخِ
وَلا يَجِدُ أَرْضًا لِيَقِفَ عَلَيْهَا
مَجْدٌ…
تَعَبَ وَقَفَ فِي الطَّرِيقِ
ثُمَّ نَسِيَ أَنْ يَعُودَ
تَمْشُونَ كَسَحَابَةٍ سَوْدَاءَ
تَحْمِلُ الْبَرْقَ فِي جَيْبِهَا
وَتَمُرُّ دُونَ أَنْ تَكْسِرَ صَمْتَ الْجِفَافِ
لَا تَتْرُكُونَ عَلَى جَبِينِ الْأَرْضِ
إِلَّا ظِلًّا
يَتَعَلَّمُ أَنْ يَكُونَ بَارِدًا
لا يُنْبِتُ مَطَرًا
ولا يَتْرُكُ فِي التُرابِ أَثَرَ ارْتِواءٍ؟
كُلَّما ضاقَ الأُفُقُ
شَقَقْتُ فِي العاصِفَةِ نافِذَةً لِلضَّوْءِ
وَفِي صَدْرِي مِصْباحُ يَقينٍ
كُلَّما حاوَلوا إِطْفاءَهُ ازْدادَ اشْتِعالًا
شَكَوْتُ إِلَى اللهِ وَجَعًا
يَنْخُرُ عِظامَ أُمَّتِي…
فَعَلَّمَتْنِي الشَّكْوى
أَنَّ الفَجْرَ لا يُولَدُ إِلَّا مِنْ جُرْحٍ.
كُنْتُ أَنْتَظِرُ نَسْمَةً مِنْ رَحْمَتِهِ
تُوقِظُ الوَرْدَ فِي أَيَّامِي
وَتُسَكِّنُ هٰذا القَلْبَ الَّذِي لا يَعْرِفُ الضَّجَرَ.
لٰكِنِّي حِينَ رَفَعْتُ بَصَرِي قَلِيلًا
رَأَيْتُ المَشْهَدَ كامِلًا:
أُمَّةً تَنامُ عَلَى وِسَادَاتِ الوَهْمِ
وَتَسْتَيْقِظُ مَذْعُورَةً عَلَى صَرِيرِ الخَوْفِ
مُلُوكًا كَأَنَّهُمْ ظِلَالٌ مُتَمَدِّدَةٌ
وَأُمَراءَ يَمْشُونَ بِلا أَرْواحٍ،
وَشُعوبًا تَسيرُ خَلْفَ السِّياطِ
كَمَا يَسيرُ الغُبارُ خَلْفَ الرِّيحِ.
يا لَمَرارَةِ الزَّمَنِ…
أُمَّةٌ تَعُدُّ المِليارَيْنِ
لٰكِنَّها تَرْتَجِفُ حِينَ تَلْمَعُ سَكاكينُ الصِّغارِ
جاءوا مِنْ شَتاتِ الخَراب
رايَتُهُمْ قِطْعَةُ دَمٍ
وَشِعارُهُمْ رِيحٌ سَوْداءُ تَعْوِي فِي الحُقولِ
غَرَسوا أَنْيابَهُمْ فِي خاصِرَةِ الأُمَّةِ…
وَكانَ فَوْقَهُمْ شَيْطانُ كِبْرٍ
يَسْقِيهِمْ حَليبَ الطُّغْيانِ
فَانْحَنَتِ الأُمَّةُ
تَسْتَعيرُ ذِراعًا غَريبًا لِتَسْنِدَ انْكِسارَها
كَأَنَّها أَرْضٌ نَضِبَ نَهْرُها
وَغَدَتْ كَجُذوعِ نَخْلٍ اقْتَلَعَهُ القَحْطُ
أَلا تَخْجَلونَ؟
أَمَّا بَلَغَكُمْ أَنَّ فِي غَزَّةَ طِفْلًا يُذْبَحُ وَهُوَ ما زالَ يَلْفِظُ اسْمَ أُمِّهِ؟
أَيْنَ قَحْطانُ؟ أَيْنَ مُضَرُ؟
فِي العِراقِ نارٌ تَعْرِفُ أَسْماءَ رِجالِها
وَفِي الكِنانَةِ غَيْمٌ ما زالَ يَعِدُ بِالمَطَرِ
وَفِي لُبْنانَ أَسَدٌ يُوقِظُ الجَبَلَ بِزَئيرِهِ
وَفِي اليَمَنِ حِينَ تَعْصِفُ الرِّيحُ
تَنْهَضُ الحَمِيَّةُ مِنْ رَمادِها
وَفِي القَيْرَوانِ ما زالَ
صَهيلُ الخَيْلِ يَحْفَظُ ذاكِرَةَ السُّيوفِ
أَمَّا الباقونَ…
فَظِلٌّ يَجُرُّ خَلْفَهُ عِباءةَ الهَوانِ
وَأَثَرٌ تَذْرُوهُ الرِّيحُ قَبْلَ أَنْ يَكْتَمِلَ
يَنْفُضونَ غُبارَ الذُّلِّ عَنْ وُجوهِهِمْ…
ثُمَّ يَعُودونَ إِلَى جُحورٍ ضَيِّقَةٍ
كَفِئْرانٍ يَفْزَعُها الصَّباحُ
وَيُحاصِرُها لَهِيبُ سَقَرَ
يَقُولونَ:
إِنِّي صَقْرٌ أَضاعَ البَصيرَةَ وَالبَصَرَ
وَغَنّى خارِجَ السَّرْبِ
وَأَنَّ الإِسْلامَ صارَ جُرْحًا فِي خاصِرَةِ الزَّمَنِ
لٰكِنِّي…
طائِرٌ عَلَّمَهُ الضَّوْءُ كَيْفَ يَعْبُرُ العاصِفَةَ
أَبَيْتُ أَنْ أَكونَ ضَميرًا مُسْتَتِرًا
فِي جُمْلَةِ الخَوْفِ
وَأَمْضِي…
فَالْحَقُّ لا يَموتُ
هُوَ شَمْسٌ
كُلَّما أُطْبِقَ عَلَيْها تَسَرَّبَتْ
مِنْ بَيْنِ أَصابِعِ اللَّيْلِ
وَهُوَ قَمَرٌ يَغْسِلُ لَيْلَ المَحْرومينَ
بِفِضَّةِ الرَّجاءِ
وَحِينَ يَرْتَفِعُ الأَذانُ فِي صَدْرِ الفَجْرِ…
نَعْلَمُ أَنَّ اللهَ ما زالَ يَكْتُبُ عَلَى صَفْحَةِ اللَّيْلِ:
أَنَّ أُمَّةً لا تَسْتَيْقِظُ لِصُراخِ أَطْفالِ غَزَّةَ… وَضاحِيَةِ بَيْرُوتَ
لَنْ تُوقِظَها مَدافِعُ التّاريخِ
بقلمي د.هادي نعيم الجبوري
2026/4/10
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .