الاثنين، 12 يناير 2026

اليمن بعد الانكسار بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 @إشارة 

#اليَمَنُ_بَعْدَ_الِانْكِسَارِ

**الِافْتِتَاحُ: الْوَهْمُ الَّذِي يَأْكُلُ ذَاتَهُ**


كُنَّا نَعْدُو نَحْوَ فَجْرٍ مَصْنُوعٍ مِنْ زُجَاجٍ مُذَابٍ، 

أَقْدَامُنَا تَطْبَعُ فِي الرَّمَادِ أَحْرُفًا مِنْ دُخَانٍ لَا يُقْرَأُ، 

وَالشَّمْسُ الَّتِي انْتَظَرْنَاهَا كَانَتْ مِرْآةً سَوْدَاءَ

تَعْكِسُ وُجُوهَنَا قَبْلَ أَنْ تُخْلَقْ،

وُجُوهًا مَاتَتْ فِي الْأَرْحَامِ

ثُمَّ عَادَتْ لِتَمُوتَ مَرَّةً أُخْرَى فِي الشَّوَارِعِ.


**الِانْكِسَارُ**


الشَّظَايَا لَا تَسْقُطُ،

بَلْ تُزْهِرُ كَأَشْجَارٍ مِنْ حَدِيدٍ صَدِئٍ،

كُلُّ غُصْنٍ فِيهَا وَجْهٌ كَانَ يُقَبِّلُ بِالْأَمْسِ.

نَحْنُ لَسْنَا شَعْبًا بَعْدَ الْآنَ،

نَحْنُ تَكْرَارٌ لِلْكَسْرِ،

كَأَنَّ الزَّمَنَ قَرَّرَ أَنْ يُعِيدَ كِتَابَةَ الْكَوْنِ

بِقَلَمٍ مِنْ عَظْمٍ مَكْسُورٍ،

وَحِبْرٍ مِنْ دَمٍ يَرْفُضُ الْجَفَافَ،

فَيُصْبِحُ التَّارِيخُ نَفْسُهُ جُرْحًا يَنْزِفُ إِلَى الْوَرَاءِ.


**الْأَرْضُ الْمَقْطُوعَةُ**


الْيَمَنُ الْآنَ جَسَدٌ وَاحِدٌ مَقْطُوعُ الرَّأْسِ،

عَدَنُ كَبِدٌ يَتَنَفَّسُ مِلْحًا وَدُمُوعًا مَالِحَةً أَكْثَرَ،

صَنْعَاءُ جُمْجُمَةٌ تَتَذَكَّرُ أَحْلَامَهَا الْقَدِيمَةَ،

تَحْلُمُ بِجَسَدٍ لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا،

وَالْحُدَيْدَةُ أَصَابِعٌ تَتَشَنَّجُ فِي بَحْرٍ مِنَ الدُّمُوعِ الْمَالِحَةِ.

لَمْ يُقَسَّمِ الْوَطَنُ،

بَلْ تُشَرَّحُ حَيًّا،

وَالْجِرَاحُ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَمْ يَخْتَرِعْهَا بَشَرٌ بَعْدُ،

لُغَةٌ تَفْهَمُهَا النُّجُومُ فَقَطْ حِينَ تَبْكِي.


**الْجُوعُ**


الْخُبْزُ يَهْرُبُ كَطِفْلٍ خَائِفٍ مِنْ أُمِّهِ،

يَتْرُكُ وَرَاءَهُ رَائِحَةَ فُرْنٍ كَانَ يُغَنِّي أَغَانِيَ الْأَجْدَادِ.  

الْأَطْفَالُ يَنَامُونَ عَلَى بُطُونٍ تُصْدِرُ أَنِينًا

كَآلَاتٍ مُوسِيقِيَّةٍ أُلْقِيَتْ فِي دَارِ أُوبْرَا مُحْتَرِقَةٍ،

الْجُوعُ لَيْسَ فَرَاغًا،

بَلْ وَحْشٌ أَلِيفٌ يَنَامُ فِي أَحْشَائِنَا،

يَسْتَيْقِظُ مَعَنَا، يَعْرِفُ أَسْمَاءَنَا قَبْلَ أَنْ نَنْطِقَهَا،

وَيَهْمِسُ لَنَا كُلَّ صَبَاحٍ:

"أَنْتَ الطَّعَامُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ بَعْدُ".


**الْمَنْفَى**


الْجَوَازُ لَيْسَ وَرَقَةً،

بَلْ جِلْدٌ مُقَشَّرٌ مِنْ وَجْهِ الْوَطَنِ نَفْسِهِ.

نَحْمِلُهُ كَقِنَاعٍ مَسْرُوقٍ مِنْ مَسْرَحٍ أَغْلَقَ أَبْوَابَهُ،

نَتَنَفَّسُ مِنْ خِلَالِهِ هَوَاءً مُسْتَعَارًا مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى،

وَنَتْرُكُ خَلْفَنَا ظِلَالًا تَرْفُضُ الرَّحِيلَ،

تَقِفُ عِنْدَ الْحُدُودِ كَتَمَاثِيلِ مِلْحٍ تَبْكِي مَطَرًا لَا يَهْطُلُ.


**الْمُقَاوَمَةُ**


وَمَعَ ذَلِكَ، فِي كُلِّ صَدْرٍ جَمْرَةٌ لَا تُطْفَأُ،

بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى نَجْمٍ يَحْتَرِقُ دَاخِلَ قَفَصٍ مِنْ ضُلُوعٍ،

نَكْتُبُ بِأَصَابِعَ مَقْطُوعَةٍ تَرْفُضُ النِّسْيَانَ،

نُغَنِّي بِأَصْوَاتٍ مَكْسُورَةٍ كَأَعْمِدَةِ مَسَاجِدَ انْهَارَتْ،

نُقَاتِلُ بِأَجْسَادٍ لَمْ تَعُدْ مِلْكَنَا،

لِنَقُولَ لِلْكَوْنِ بِأَسْرِهِ:

نَحْنُ لَسْنَا رَفَاتًا،

نَحْنُ النَّارُ الَّتِي تُصِرُّ عَلَى أَنْ تَظَلَّ نَارًا

حَتَّى لَوِ احْتَرَقَ الْكَوْنُ مَعَهَا.


**الِاعْتِرَافُ الْأَخِيرُ**


يَا أَرْضًا مُمَزَّقَةً كَخَرِيطَةِ كَوْنٍ قَدِيمٍ انْفَجَرَ،

يَا شَعْبًا يَنْزِفُ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ كَنَجْمٍ يَمُوتُ بِبُطْءٍ مُذْهِلٍ،

لَا خَلَاصَ سَرِيعًا، لَا رَايَاتٍ تَرْفُرِفُ فَوْقَ الْجُرْحِ.


لَسْنَا ضَحَايَاكِ وَحْدَنَا،

نَحْنُ بَعْضُ جَلَّادِيكِ أَيْضًا.


لَكِنْ فِي الدَّمِ الَّذِي سَالَ،

مَا زِلْنَا نَعْرِفُ الطَّرِيقَ

حِينَ نُقَرِّرُ أَنْ نَسِيرَ،

لَا أَنْ نَعْدُوَ خَلْفَ أَوْهَامِنَا.


جُرْحُكِ هُوَ لُغَتُنَا الْوَحِيدَةُ الْمُتَبَقِّيَةُ.

فَإِذَا لَمْ نَسْتَطِعْ شِفَاءَكِ،

فَلْنُحَاوِلْ عَلَى الْأَقَلِّ

أَلَّا نَزِيدَ فِي عُمْقِ الشَّقِّ

الَّذِي فَتَحْنَاهُ بِأَيْدِينَا نَحْنُ.


---------


#الأثوري_محمد_عبدالمجيد.. 2026/1/12


#مؤتمر_الرياض #السعودية #اليمن #الأمم_المتحدة #غيروا_هذا_النظام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .