نشيد القفص المفتوح
أعرفُ الآن
أنَّ الصَّوتَ لا يخرجُ من الحنجرةِ وحدَها،
بل من ضيقِ الفضاءِ
حينَ يَضيقُ الحلمُ
حتّى يصيرَ نغمةً.
ليسَ القفصُ قضبانًا فحسب،
إنَّهُ الوقتُ
حينَ يتعلَّقُ في عنقِ الرغبةِ،
والمسافةُ
حينَ تُقاسُ بخفقةٍ واحدةٍ
ولا تُبلَغ.
الطيرُ الذي لم يلمسِ الرِّيحَ
يحفظُ أسماءَها،
يُسمِّي الجهاتِ
كما تُسمَّى الأمّهاتُ في الغيابِ،
ويُجرِّبُ جناحيهِ
على ظلِّ الجدار.
يُغنِّي
لا لأنَّ الغناءَ خلاصٌ،
بل لأنَّ الصمتَ
سِجنٌ آخر.
في كلِّ نغمةٍ
مفتاحٌ لا يُرى،
وفي كلِّ رعشةٍ
سماءٌ مُؤجَّلة.
تخرجُ الألحانُ
مُبلَّلةً بالرَّجاءِ،
تتسلَّقُ الهواءَ
وتُربِكُ الأُفُق.
وحينَ يَتْعَبُ الصَّوتُ
من كثرةِ الصعودِ،
يُسندُ ظهرَهُ إلى الذِّكرى
كمن يُسندُ الليلَ إلى نجمةٍ وحيدةٍ.
يُغمِضُ الطيرُ عينيهِ
لا لينامَ،
بل ليرى أوضحَ؛
ففي العتمةِ
تتدرَّبُ الحرِّيَّةُ
على شكلِها الأوَّل.
هناكَ،
حيثُ لا قضبانَ إلَّا الخوفُ،
ولا مفاتيحَ إلَّا الرَّجاءُ،
يتعلَّمُ الغناءُ
أن يكونَ جناحًا،
ويتعلَّمُ الجناحُ
أن يولدَ من الصَّوت.
أمَّا الطَّليقُ
فيمضي خفيفًا
كأنَّهُ لا يتذكَّرُ
ثِقلَ الأرضِ،
يُغنِّي كي يملأَ النَّهارَ
ولا يسألُ الصَّوتَ
إلى أينَ يذهب.
لكنَّ الطيرَ الحبيسَ
يعرفُ
أنَّ الحُرِّيَّةَ
ليست جهةً
بل نداءٌ،
وأنَّ السَّماءَ
تبدأُ
حينَ نجرؤُ
على تسميتِها.
لذلكَ
حينَ يفتحُ حنجرتَهُ
تتَّسِعُ القضبانُ،
ويصيرُ القفصُ
نافذةً،
ويعبرُ الغناءُ
قبلَ الجناحين.
بقلم الشاعر
مؤيد نجم حنون طاهر
العراق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .