الخميس، 18 يونيو 2026

الجمهورية المؤجلة بقلم الراقي الأثوري محمد عبد المجيد

 **الجمهورية المؤجّلة**

**الفصل السابع: اقتصاد الحرب — عندما يصبح الخراب مشروعًا مربحًا**


-----


يُقال عادة إن الحروب تدمر الاقتصاد.  

هذا صحيح.  


لكنها لا تدمره للجميع.


الحرب لا تقتل الاقتصاد،  

بل تعيد اختراعه.  

تستبدل اقتصاد الحياة  

باقتصاد الخراب.


فبينما يفقد ملايين اليمنيين وظائفهم،  

تولد وظائف جديدة.  

وبينما تتآكل المؤسسات،  

تتوسع شبكات أخرى.  

وبينما يخسر المواطن العادي،  

يراكم آخرون الثروات.


الحرب تخلق الندرة.  

والندرة تخلق الأرباح.


الوقود،  

الدواء،  

الغذاء،  

النقد الأجنبي،  

حتى الوصول إلى الطريق الآمن،  

كل شيء يتحول إلى سوق.


في اقتصاد الحرب،  

لا تأتي الثروة من الإنتاج،  

بل من السيطرة على الاختناق.  


من يسيطر على المعبر يربح.  

من يسيطر على الميناء يربح.  

من يسيطر على الطريق يربح.  

من يسيطر على تدفق السلع يربح.


ليس لأنه أنتج شيئًا،  

بل لأنه امتلك القدرة  

على السماح أو المنع.


هكذا تنتقل القيمة  

من العمل إلى النفوذ،  

ومن الابتكار إلى السيطرة،  

ومن الإنتاج إلى الاحتكار.


مع الوقت،  

تظهر طبقة جديدة.  

ليست رجال أعمال تقليديين،  

ولا سياسيين فقط.  

بل طبقة هجينة:  

نصفها اقتصادي،  

ونصفها أمني.


تعيش في المنطقة الرمادية  

بين السلطة والسوق.  

كلما زادت الأزمة،  

زادت أرباحها.  

وكلما اقترب الحل،  

شعرت بالخطر.


السلام بالنسبة لهذه الطبقة  

ليس فرصة،  

بل تهديد.


في زمن الحرب،  

تكون القواعد ضبابية.  

والضباب بيئة مثالية  

لمن يجيدون الحركة داخله.


أما السلام فيعني قوانين أوضح،  

ومؤسسات أقوى،  

ومساءلة أكبر.


هذا هو السر القاسي لاستمرار الحرب:  

هناك من يربح من كل يوم إضافي  

يموت فيه طفل أو ينهار فيه اقتصاد.


لكن المأساة لا تقف عند المال.  

اقتصاد الحرب يغير القيم أيضًا.


حين يرى الشاب  

أن أسرع طريق للمال  

يمر عبر السلاح لا عبر التعليم،  

وحين يكتشف التاجر  

أن النفوذ أهم من المنافسة،  

يبدأ المجتمع كله  

بإعادة تعريف النجاح.


خسارة المعايير  

أخطر من خسارة الأموال.


إعادة بناء اليمن  

لن تكون مجرد إسفلت ومبانٍ وجسور.  

الجسور يمكن إعادة بنائها في سنوات.  

أما اقتصاد تشكّل حول الحرب،  

فقد يحتاج إلى جيل كامل  

كي يُفكك.


السؤال الذي يواجه أي مشروع سلام ليس:  

كيف نوقف إطلاق النار؟  


بل:  

**كيف نحرم اقتصاد الحرب  

من أرباحه؟**


لأن البنادق لا تطلق النار وحدها.  

خلف كل بندقية طويلة العمر،  

يوجد دائمًا حساب مصرفي،  

أو صفقة،  

أو سوق،  

أو شبكة مصالح.


وحين يتوقف الربح،  

يبدأ السلاح لأول مرة  

في فقدان صوته.


------


– الأثوري محمد عبدالمجيد.. 2026/6/18


#الجمهورية_المؤجّلة #اليمن_يستحق_الحياة، #كفى_عبث

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .