الخميس، 18 يونيو 2026

غياب يسكنني بقلم الراقي بهاء الشريف

 غِيَابٌ يَسْكُنُنِي


إلى أُمِّي…


مُنْذُ أَنْ رَحَلْتِ، وَأَنَا أَحْمِلُ آخِرَ مَشْهَدٍ لَكِ فِي قَلْبِي…

مَشْهَدَ الوَدَاعِ الأَخِيرِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ تَوَقَّفَ عِنْدَهُ،

وَكَأَنَّ تِلْكَ اللَّحْظَةَ لَمْ تَمْضِ بَعْدُ.


مَا زَالَ حُضُورُكِ يَمُرُّ فِي تَفَاصِيلِ أَيَّامِي،

وَمَا زَالَ قَلْبِي يَبْحَثُ عَنْ صَوْتِكِ فِي هُدُوءِ الأَمَاكِنِ…

فَبَعْضُ الرَّاحِلِينَ لَا يَرْحَلُونَ كُلِّيًّا،

بَلْ يَبْقَوْنَ نُورًا خَفِيًّا فِي أَعْمَاقِنَا.


أُمِّي…


مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنْ دِفْءِ يَدَيْكِ فِي ذَاكِرَتِي،

وَعَنْ صَوْتِكِ الَّذِي كَانَ يَمْلَأُ البَيْتَ طُمَأْنِينَةً،

وَيَجْعَلُ أَثْقَلَ الأَيَّامِ أَهْوَنَ عَلَى قَلْبِي.


رَحَلْتِ… وَلَكِنَّكِ لَمْ تَرْحَلِي مِنِّي،

مَا زَالَ دُعَاؤُكِ يُرَافِقُنِي،

وَذِكْرَاكِ تُضِيءُ عَتَمَاتِ أَيَّامِي،

كُلَّمَا احْتَجْتُ إِلَى أَمَانٍ كُنْتِ تَمْنَحِينَنِي إِيَّاهُ.


لَمْ يَكُنِ الوَدَاعُ الأَخِيرُ نِهَايَةَ الحِكَايَةِ،

بَلْ بَدَايَةَ شَوْقٍ لَا يَخْفُتُ…

فَبَعْضُ الفَقْدِ لَا يَمْحُوهُ الزَّمَنُ،

وَبَعْضُ الأَرْوَاحِ حِينَ تَرْحَلُ

تَتْرُكُ فِي القَلْبِ أَثَرًا لَا يَزُولُ.


وَكُلَّمَا ضَاقَ بِيَ الطَّرِيقُ،

أُغْمِضُ عَيْنَيَّ لَحْظَةً،

فَأَسْمَعُ صَدَى دَعَوَاتِكِ كَأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنِّي…

كَأَنَّ رَحْمَةَ اللهِ حَفِظَتْ لِي مِنْكِ ذِكْرَى لَا تَغِيبُ.


كُنْتِ المَلْجَأَ حِينَ تَتْعَبُنِي الحَيَاةُ،

وَالقَلْبَ الَّذِي أَجِدُ فِيهِ الحُبَّ دُونَ شَرْطٍ.


بَعْدَكِ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَ الغِيَابِ لَيْسَ فَرَاغًا،

بَلْ مَكَانٌ يَسْكُنُ فِي الرُّوحِ…

وَأَنَّ مَنْ نُحِبُّهُمْ حَقًّا

يَبْقَوْنَ مَعَنَا وَإِنْ غَابُوا.


يَا أُمِّي…

سَامِحِينِي إِنْ قَصَّرْتُ يَوْمًا،

وَإِنْ لَمْ أَقُلْ لَكِ يَوْمًا

كَمْ كَانَ وُجُودُكِ هِبَةً لَا يُعَوِّضُهَا غِيَابٌ.


رَحِمَكِ اللهُ يَا أُمِّي…

فَقَدْ تَعَلَّمَ قَلْبِي بَعْدَكِ

أَنَّ الحُبَّ لَا يَرْحَلُ،

وَأَنَّ الدُّعَاءَ أَجْمَلُ مَا نُهْدِيهِ لِمَنْ غَابُوا.


اللَّهُمَّ اجْعَلْ قَبْرَهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ،

وَاجْمَعْنِي بِهَا فِي دَارٍ لَا فِرَاقَ فِيهَا.


بِقَلَمِي: بَهَاءُ الشَّرِيف

١٨ / ٦ / ٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .