ملحمة: حين ينهض الطين
من نومهيا عراق…
يا عشقًا وُلِدَ قبل أن تتعلّم الأرضُ
كيف تُمسكُ قدميها،
وقبل أن يعرف البشر
أن للروحِ بابًا
يُفتحُ على ألف أسطورة.فيكَ…
لم يبدأ العشقُ بين رجلٍ وامرأة،
بل بدأ بين الطين والسماء،
حين نفخ الإلهُ في الصلصال
فاشتعل القلبُ الأول،
وصار الإنسانُ
أوّل قصيدةٍ تمشي على الأرض.يا بلادًا
كان العشقُ فيها
أقدمَ من اللغة،
وأعمقَ من النهر،
وأصدقَ من دمعةٍ
تسقط من عين إنانا
حين تفقد تموز.يا بلادًا
كانت النساءُ فيها
يُشعلن القمر
بأطراف أصابعهن،
وكان الرجال
يُقيمون للبطولة
مواسمَ من نارٍ
لا تنطفئ.
سومر…
يا أمّ الحرف،
يا أول من علّم العالم
أن الكتابة ليست خطوطًا،
بل نبضٌ يُحفر في الطين
كي لا يضيع.يا بابل…
يا مدينةً
إذا وقفتِ على أسوارها
سمعتِ همسَ العشّاق
مختلطًا بصوت الملوك،
ورأيتِ الحدائق
تتدلّى من السماء
كأنها ذراعُ امرأةٍ
تحتضن العالم.يا آشور…
يا سيفًا من نور،
سيفًا من نور،
يا مدينةً
كانت تكتب التاريخ
بخطوات جيادها،
وتعرف أن المجد
لا يُهدى…
بل يُنتزع.ثم جاء الزمن…
زمنٌ لا يعرف
كيف يحفظُ وصايا الأجداد،
ولا كيف يصونُ
بلادًا وُلدت من الأسطورة.جاءت المؤامرات
كريحٍ سوداء،
تُريد أن تمزّق
ما جمعتهُ آلاف السنين،
وتُطفئ نارًا
لم تُخلق لتخمد.أرادوا للعراق
أن يصبح صدى،
أن يصبح ظلًا،
أن يصبح سؤالًا بلا جواب،
لكنهم لم يعرفوا
أن الأوطان التي تُبنى على الأسطورة
لا تُهزم بالخرائط.يا دجلة…
يا نهرًا
يمشي كشيخٍ حكيم
يحمل في جيوبه
أسرار الملوك
وخطايا المدن.ويا فرات…
يا نهرًا
إذا شربتَ منه
عرفتَ أن الماء
قد يكون ذاكرةً
أكثر منه شرابًا.كيف كنتما؟
كنتُما تاجًا من فضة
على جبين الأرض،
وكانت ضفافكما
مدارسَ للحب،
ومعابدَ للسلام،
ومواسمَ للقمح
والأغاني.وكيف أنتما اليوم؟
تسيران مثقلين
بما لم يُخلق لكما:
دمٌ،
وحزنٌ،
وأسلاكٌ شائكة
تُحاول أن تُقنع العالم
وأسلاكٌ شائكة
تُحاول أن تُقنع العالم
أن النهر
قد يشيخ.لكن النهر
لا يشيخ…
النهرُ يتذكّر.يا عراق…
يا بلادًا
إذا سقطتْ
نهضتْ،
وإذا انكسرتْ
تجمّعتْ من جديد
كما يتجمّع الضوء
بعد العاصفة.يا عراق…
يا من علّمتَ العالم
أن الحضارة
لا تُكتب بالحجارة،
بل تُكتب بالقلوب
التي تعرف
أن المستقبل
ليس ما نراه،
بل ما ننهضُ له.وها أنتَ…
رغم كل ما مرّ،
تُعيد ترتيب نفسك
كما يعيد النهر
مساره
بعد فيضانٍ طويل.وستعود…
كما كنت،
بل كما يجب أن تكون:
بلادًا
إذا نطق اسمها أحد
اهتزّ التاريخ
احترامًا.
بقلم محمد عمر عثمان كركوكي
أ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .