رُوحٌ لَا تَغِيبُ
إهداءٌ إلى الأختِ الغاليةِ هيام عبدو في رحيلِ والدتِها رحمها الله
بَعْضُ الأَحْزَانِ لَا تُوَاسَى بِالكَلِمَاتِ، وَبَعْضُ الفَقْدِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَوِيَهُ العَزَاءُ. وَحِينَ تَكُونُ الرَّاحِلَةُ أُمًّا، يُصْبِحُ الحَنِينُ لُغَةً أُخْرَى، وَيَغْدُو الدُّعَاءُ أَصْدَقَ مَا يُقَالُ.
إِلَى أُخْتِنَا الغَالِيَةِ هِيَام عَبْدُو، الَّتِي كَتَبَتْ وَجَعَهَا بِصِدْقٍ لَامَسَ القُلُوبَ، أُهْدِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ، رَاجِيًا مِنَ اللهِ أَنْ يَتَغَمَّدَ وَالِدَتَهَا بِوَاسِعِ رَحْمَتِهِ، وَأَنْ يَجْبُرَ قَلْبَ ابْنَتِهَا جَبْرًا جَمِيلًا.
يَا أُخْتَ الحُزْنِ النَّبِيلِ…
لَوْ كَانَ لِلْمَوْتِ وَجْهٌ يُرَى،
لَعَاتَبْتُهُ كَمَا عَاتَبْتِهِ،
وَلَقُلْتُ لَهُ:
أَيُّ قَلْبٍ هَذَا الَّذِي اخْتَرْتَ أَنْ تُثْقِلَهُ بِالفَقْدِ؟
فَالأُمُّ لَيْسَتْ عابرةً فِي العُمُرِ،
وَلَا فَصْلًا يُطْوَى مِنْ كِتَابِ الأَيَّامِ،
الأُمُّ عُمْرٌ كَامِلٌ إِذَا غَابَ،
بَقِيَتِ الصَّفَحَاتُ بَعْدَهُ فَارِغَةً مِنْ دِفْئِهَا.
نَعَمْ يَا هِيَام…
مَا أَدْرَاكِ أَنَّ الأَرْوَاحَ الَّتِي رَبَّتْنَا حُبًّا
لَا تَرْحَلُ تَمَامًا،
بَلْ تَسْكُنُ فِي الدُّعَاءِ،
وَفِي الذِّكْرَيَاتِ،
وَفِي تَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ تُبَاغِتُنَا،
فَتُعِيدُ الدَّمْعَ إِلَى العَيْنِ،
وَالحَنِينَ إِلَى القَلْبِ.
قَرَأْنَا نَصَّكِ،
فَمَا وَجَدْنَا كَلِمَاتٍ تُرْثِي،
بَلْ وَجَدْنَا ابْنَةً بَارَّةً
تَحْمِلُ أُمَّهَا فِي كُلِّ حَرْفٍ،
وَتُشَيِّعُهَا بِالدُّعَاءِ وَالحُبِّ وَالوَفَاءِ.
وَقَرَأْتُ بَيْنَ سُطُورِكِ ابْنَةً لَمْ تَرْثِ أُمَّهَا بِالكَلِمَاتِ فَحَسْبُ،
بَلْ بِالوَفَاءِ الَّذِي لَا يَشِيخُ،
فَبَعْضُ البَنَاتِ يُبْكِينَ الفَقْدَ،
وَأَنْتِ كَتَبْتِهِ قَلْبًا وَرُوحًا وَحَنِينًا.
رَحِمَ اللهُ وَالِدَتَكِ رَحْمَةً وَاسِعَةً،
وَجَعَلَ قَبْرَهَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ،
وَأَبْقَى لَكِ مِنْ جَمِيلِ الذِّكْرَى
مَا يُؤْنِسُ القَلْبَ كُلَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَحْشُ الفَقْدِ.
وَإِنْ كَانَ لِلْمَوْتِ سَطْوَةٌ عَلَى الأَجْسَادِ،
فَلَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى المَحَبَّةِ،
فَالأُمَّهَاتُ لَا يَرْحَلْنَ مِنْ قُلُوبِ أَبْنَائِهِنَّ،
بَلْ يُصْبِحْنَ رُوحًا خَفِيَّةً لَا تَغِيبُ.
رَحِمَ اللهُ أُمَّكِ يَا هِيَام،
فَقَدْ رَحَلَتْ عَنِ العُيُونِ،
لَكِنَّهَا تَرَكَتْ فِي ابْنَتِهَا قَلْبًا يَفِيضُ وَفَاءً،
وَمَنْ أَنْجَبَتْ رُوحًا بِهَذَا النُّبْلِ لَا تَغِيبُ.
بِقَلَمِي: بَهَاء الشَّرِيف
١٩ / ٦ /
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .