_الجندي الصغير :
عبد العزيز عميمر
الجزائر
_قبضت عليه بذراعين ،تتعارك كالأم الأخطبوط،هم ينزعون ولدها بالقوة،وتقبض بيدها من حديد في عارضة السيارة،يقذفون بالطفل في السيارة،وكأنه كيس،وتتمسك وتجري السيارة، بقدر قوة محركها،تثير أتربة وزوبعة،وتسحب الأم بضعة امتار،ثم تسقط على الأرض ،وتصاب برضوض،أخذوا ابنها بالقوة.
_اختطف الولد ومازال صغيرا كان ( مامادو ) يبكي ويمد يده لأمه لتنقذه من الثوّار المتمرّدين، أخذوا الكثير من الأولاد في ذلك اليوم،حيث أغار الثوّار ،وسلبوا وقتلوا،وأحرقوا،ثم أخذوا الأولاد،ياترى لماذا؟
سيجندون في صفوف الجيش ،بل قل العصابة،يؤخذون ويدرّبون على حمل السلاح، واستعماله ،مع غسيل المخ،تنزع طفولتهم بجذورها،بكل دم بارد مع الاعتداءات الجنسية،والضرب والعنف،إنهم يعانون ،ويتجرعون العذاب والمهانة والأشغال الشاقة،في بلد حتى في حالة السلم تزوج البنت صاحبة ثمان سنوات،وأحيانا يستبدلها أبوها ببقرة أو بثور ليفلح أرضة من أجل الزراعة،ولا ترجع البنت في أغلب الأحيان،لأن الأب لا يستطيع دفع ثمن الثور ،وشيئا فشيئا تنسى وتصبح البنت ملكا للمالك الجديد الثري،فتتحوّل للرقّ أوالبيع،أو للتجارة الجنسيّة،او للسياحة الجنسيّة،الذكور مثل الإناث ،وربما الرواج للذكور أكثر ،ويقبل السياح الأجانب على ذلك في أوقات عطلهم وتنزههم.
_الأم فقدت ( مامادو)عاشت مسكينة على أعصابها وتدهورت حالتها الصحيّة،وتصاب بالكوابيس ،وبرؤية ولدهها وهو يبكي ويناديها يتوسّل ويمدّ يده باكيا،وتقفز من النوم وتخرج في الليل للبحث عنه،منادية باسمه ، ( مامادو) أنا أمّك ،أنا هنا ،تعال لحضني ،أشفق عليها جيرانها لكن لم يفعلوا شيئا لها،الكثير أصيب ،والكثير مثل حالتها،إنها الحرب الأهلية في بلد افريقي،إضافة للمجاعة والأمراض. الضحية طبعا الاطفال،هم أكثر فئة معرضة للهلاك،إنها الطفولة المشرّدة،موجودة في الكثير من البلدان،وخاصة العالم الثالث ،الذي استغلّ الغرب خيراته وخرّبه زاعما أنه جاء بالحضارة،لينقذ المتخلّفين .
_في صبيحة يوم الأحد أخذ الثوّار الأب كذلك للخدمة ورفض الانصياع لأوامرهم،ورفض ولم يقبل الانضمام
إليهم،فعرضوه للرمي بالرصاص من قبل الأطفال المجنّدين،كانوا يضعون عصابة سوداء على عيني المجنّد الصغير حتى لا يرى ولا ويعرف ! فيمن أطلق الرصاص ! ويظن أنه للتدريب فقط .
أطلق ( مامادو) الرصاص وكان الضحية أبوه ،دون عليه بذلك،ولم يتفطن للأمر.
_لكن عرفت الأم الأمر ،من بعض الجيران فبكت بكاء مرا،ونقلت للمستشفى ،ولم ترجع،منذ ذلك اليوم ،وبقي بيتها مهجورا ،اتخذته الحيوانات مبيتا لها ،وكلما مرّ أهل القرية أمام البيت تذكروا الفاجعة ،ورأوا ( مامادو وأمّه ) يبتسمان ،ويلوحان بأيديهما ،فتتعثّر دقّات القلوب ويتوقف الزمن ،ويقبض ثلاثي : الظلم والحرمان ،والانكسار على الأرواح .
تتوجّه العيون المنكسرة للسماء ترجو النجدة والعون ،وكلّها أمل بأنّ التغيير آت ، تغيير نحو الأحسن ، لا محالة.
فجر مقبل بشمس مشرقة تدغدغ العواطف فتهتزّ تيها وابتهاجا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .