٢٥ / آذار / ٢٠٢٦
مقتطفات من هلوسات شاعر
أنا وجودٌ عابرٌ بلا وطن
إبراهيم العمر
في مكانٍ ما بين الصرخة الأولى والوعي الأخير، يتكوّن شيءٌ لا اسم له.
ليس سيرةً تُروى، ولا تجربةً تُفهم، بل انزلاقٌ بطيء من براءة العدم إلى فوضى الإدراك.
هذا النص ليس محاولةً للشرح، بل أثرٌ لاصطدامٍ خفيّ بين كائنٍ لم يختر أن يكون، وعالمٍ لم يَعِ يومًا كيف يحتويه.
أنا وجودٌ عابرٌ بلا وطن
إبراهيم العمر
أنا لم أولد كما يُولد الآخرون، بل انفلقتُ عن عدمٍ لم يكن يعرف اسمي.
كنتُ جنينًا، نعم، لكن دون ذاكرةٍ تسبقني، ودون وجعٍ يعلنني. لم يكن صراخي شهادة ألم، بل كان أول كذبةٍ وجوديةٍ ارتكبتها لأستحق البقاء؛ نداءً غريزيًا ليدٍ تمنحني وهم الاحتواء، ولصدرٍ يُسكت فوضى الفراغ فيَّ.
لم تكن أفكاري تسكنني، ولا كانت أحزاني تعرف طريقي. كنتُ كتلةَ لحمٍ تُمارس الحياة دون أن تعيها، كائنًا يستهلك دون أن يُدرك أنه يستهلك، طفيليًا على نظامٍ كونيٍّ لم يختره، ولا فهِم قوانينه. لم يكن البحرُ يناديني، ولا كانت النوارسُ ترسم لي معنى، ولا كانت الأزهارُ تُغويني بجمالها؛ إذ لم يكن في داخلي ما يستجيب.
ثم، على نحوٍ لا يخضع لسببٍ ولا لتدرّج، حدث الانقلاب.
لا أعرف متى تسرّبت إليّ الأحاسيس، ولا كيف انبثقت فيَّ هذه الفوضى المتناغمة من الإدراك والافتتان. كأن شيئًا ما انكسر في نسيجي الأول، فتسرّب منه العالم، أو لعل العالم هو الذي انكسر وتسرّبتُ أنا فيه.
لم أعد أسكن جسدي، بل صار جسدي حادثةً عرضيةً فيّ.
صرتُ سيولةً بلا حدود، طيفًا يتخلل الأشياء بدل أن يُحاصر بها، حضورًا لا يتموضع بل ينتشر. لم أعد أنظر إلى الأشياء، بل صرتُ أراها وهي تنظر إليّ من داخلي. التفاصيل لم تعد خارجية؛ صارت تسري في دمي، كأن لكل ذرةٍ في هذا الوجود امتدادًا خفيًا في شراييني.
شعاعُ شمسٍ واحد لم يعد ضوءًا، بل نهرًا ينفذ إلى أعماقي، يُعيد تشكيل مشاعري، ويُذيب الحدود بين الإحساس والمادة. كل شيءٍ صار يحدث فيَّ، لا حولي؛ وأنا لم أعد ذاتًا تُدرك، بل مجالًا يحدث فيه الإدراك.
أنا الآن أعيش لحظةً لا تقبل القياس، لا تُختزن في زمن، ولا تُستعاد. لحظةٌ مكتفيةٌ بذاتها حدّ الانفجار، كأنها الأبد وقد انضغط في ومضة.
أنظر إلى نفسي من خارج حدودي، فلا أجدني. أرى هيئةً بشريةً عادية، شجرةً يابسة، تمثالًا من حجر، قشرةً صامتة تخفي وراءها عاصفةً لا تُرى.
أنا، في تعريف العالم، إنسانٌ بسيط.
لكن في تجربتي، أنا شرخٌ في المعنى، انزلاقٌ في اليقين، كينونةٌ تتفكك كلما حاولت أن تُمسك بنفسها.
لا تحاولوا أن تُعيدوني إلى إيقاع الأيام، إلى رتابة اللحظات التي تُستهلك دون أن تُعاش.
فما يُسمّى “عاديًا” لم يعد قادرًا على احتوائي، وما يُسمّى “روتينًا” صار بالنسبة لي قناعًا هشًا يخفي العدم.
أنا لستُ منسجمًا مع العالم،
بل أنا الارتباك الذي يكشف حقيقته.
ليس في هذا النص نهاية، لأن ما بدأ فيه لم يكن بداية.
أنا لا أعود مما صرتُ إليه، ولا أستقر فيما أعبره. أظلّ معلّقًا بين إدراكٍ يفضحني، وعالمٍ لا يعترف بي إلا بقدر ما أتلاشى فيه.
قد أتعلم أن أرتدي شكلي الإنساني من جديد، أن أمشي بين الأشياء كما لو أنني منها، أن أساوم الرتابة وأهادن العاديّ، لكن شيئًا فيَّ سيبقى خارج كل ذلك، يقظًا كجرحٍ لا يندمل، وصامتًا كحقيقةٍ لا تُقال.
أنا لا أصل، ولا أكتمل، ولا أنتهي.
أنا فقط… أستمرّ في العبور.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اهلا وسهلا ومرحبا بك في مدونة واحة الأدب والأشعار الراقية للنشر والتوثيق ... كن صادقا في حروفك ويدا معاونة لنا ... فنحن حريصين علي الجودة ونسعي جاهدين لحفظ ملكية النص .